ملاحظات على الإسلام السياسي «الشيعي» (1 من 2)/ عبد الله الغذامي

انصار حزب الله يبدون دعمهم لبشار الاسد

حينما تعيش أجواء «تويتر» فإنك ستكون على احتكاك مباشر مع الحال الجماهيرية لأية نظرية سياسية أو غيرها، وسترى الثقافة العامة التي يشكلها أي تنظيم في عقليات أنصاره، ومن ثم ستعرف كيف تتشكل الذهنية الثقافية كاستجابة لسياسة وسلوك تنظيم ما، وفي مقالتين متتاليتين سأضع قراءتي لحال جماهير الإسلام السياسي، بشطريه الشيعي والسني.

وأبدأ من مقولة قلتها قبل أعوام في محفل كبير في مدينة القطيف شرق السعودية، إذ كشفت عن عميق شعوري تجاه «حزب الله»، وقلت: إن انتصار الحزب انتصار لضميري، وكنت أقولها وأعنيها تحت معنى وعنوان نظرية المقاومة، ولم يكن كلامي ليخص شخصاً بعينه ولا طائفة بعينها، ولكنه كلام عن المقاومة وهي ضميرنا كلنا، ولا شك.

ثم حدث ما حدث من تدخل «حزب الله» في سورية، وحينها تغير عندي وعند غيري السؤال، وصرنا نتساءل بحرقة عن مفهوم المقاومة، وهل لها صلة بأية صيغة من الصيغ مع دخول الحزب لسورية!

هنا أخذت الأمور في الاختلاط والتداخل غير الثقافي وصار الضمير في حال امتحان، فأنت أمام طاغية يقتل شعبه، وليس على ذلك من خلاف، ومن هنا فكيف ستكون صورة من يسانده ويقاتل معه، حاملاً راية الظلم ومقترفاً القتل لشعب ثار لأجل حريته!

كان لا بد لي وقد هتفت لـ «حزب الله» المقاوم، أن أتقدم بنقد تصرف الحزب حين تحول إلى صف الظالم.

وهنا تحضر المظلومية لتكون موضعاً للسؤال نفسه، وإذا ما تحولت المظلومية لتكون ظالمة فماذا يبقى لها من الرصيد الأخلاقي والمنطق الثقافي، وإذا تخلى المقاوم عن دوره وحرف وجهة البندقية، فما مصير من ينتقد هذا السلوك؟

لكي تملأ الأرض عدلاً من بعد أن ملئت جوراً، فهذا يقتضي أن تسلك سلوكاً عادلاً يبرر للكل بأن مظلوميتك علمتك درساً أخلاقياً في مقاومة أي ظلم وأي ظالم، كما سيفترض فيها أن تكون حلاً للمظالم ومنعاً لوقوعها، وليس إسهاماً في صناعتها من جديد وتكرارها!

هذا هو ما حاولته في تجربة حية على «تويتر»، فماذا لقيت من مناصري الحزب، وهو رد فعل يكشف عن النسق المتشكل بشعار الحل المفترض، ويبين أن الحل الموعود لم يكن حلاً بقدر ما هو مشكل بحد ذاته، إذ صار المقاوم ظالماً وصارت لغته مبررة للظلم ومنظرة له، واتبع المغردون المناصرون لـ «حزب الله» ثلاثة أساليب لمحاصرة نقد سلوك الحزب في سورية، هي:

1- محاولة صرف النقد الموجه للحزب بأن يدفعك للكلام عن الإرهاب والإرهابيين، لكي يحاصر نقدك ويشغله بنقطة أخرى غير الرئيسة، وبالتالي يدفعك إلى إغماض عينك عن قول كلمة ناقدة توجه نقدها للخطأ المحدد، وفي هذا محاولة لبناء سد حصين يتمترس فيه الخطأ محصناً عن أي نقد، ويتم له أن يمارس ظلمه من دون محاسبة، فقط لأن غيره ظالم مثله، وعليك بغيره ودعه في حصانته.

2- محاولة تشويه الناقد بوصفه ونعته بما في المعجم كله من صفات، وكل حسابات «تويتر» المبهمة والمتسمية بأسماء وهمية ستحضر إليك لتحاصرك، وفي النهاية جاء تقرير إخباري في محطة موالية بعنوان: «الغذامي يقدم تحولات من نوع جديد»، اعتمدت على تغريداتي الناقدة لتدخل «حزب الله» مع اتهامي بالتحول الظلامي، وورد هذا في نشرة الأخبار الرئيسة، وهو على «يوتيوب» وبهذا العنوان.

3- الدفع بتصوير أي نقد أو مساءلة لـ «حزب الله» على أنه مساس بالتشيع منهجاً وتاريخاً، ويجري استخدام عبارة «آل البيت» في الخطاب السياسي المنبري وفي لغة «تويتر»، لتلبيس القول بأن الناقد في مواجهة مع بيت النبوة، ولن يسلم الناقد الشيعي من التهمة ذاتها.

والحق أن هذا تكتيك تجده عند جماهير الحزبية الإسلامية سنة وشيعة، من حيث صرف الخطاب وتمييعه، ومن حيث ضرب الناقد بالتهم، وهنا يأتي السؤال الصعب: هل نحن هنا بصدد تأكيد المعنى الشيعي التاريخي عن المظلومية وملء الأرض عدلاً من بعد الجور العام؟ وبالتالي نقدم حلاً لمشكلات البشرية ونكون مقاومين ومنقذين وواعدين، أم أننا نربي جماهير منحازة ويغطي على بصائرها العمى الثقافي وينطبق عليها قول الشاعر: «لا يسألون أخاهم حين يندبهم/ في النائبات على ما قال برهانا»؟

هذا هو ما تلحظه على ثقافة الجماهير المناصرة، وهي في حال انصياع تام مع لغة الحزب وتبريراته، وفي تصديق مطلق له حتى لا تطلب برهاناً ولا حجة، وكذلك لا تقبل نقداً ولا مساءلة، ومن هنا يجري تصنيع النسق الأعمى وغرسه في النفوس وفي اللغة وفي خطاب التعامل مع المخالف.

وإن كان «حزب الله» هو رأس المعنى للمقاومة ما أكسبه قيمة أخلاقية وتاريخية في ضمائرنا كلنا، حتى صار كل انتصار له انتصاراً لنا، فإنه مع الحال السورية صار ينقض كل هذه القيم، ويتحول إلى حال في تأزيم المعاني، وتأزيم العلاقة بين المجتمعات وفي داخلها، وتوريط التاريخ والمستقبل بصور مؤلمة ستلاحق الأجيال المقبلة، لتكتب تاريخاً متصلاً من المظلوميات، وهذا ضرر مستقبلي على الشيعة والسنة معاً.

تخويف الناقد

وأخطر شـــيء في هـــذا هو في إحساس الناس بالخوف من نقد أي تـــصرف للحزب، حتى صار الحزب مصدر رعب بدلاً من أن يكون مصدر فخر ونصــر، وصار الحزب قوة ضاربة لا من حيث قدراته المادية فحسب، ولكن أيضاً من حيث جبروته وجبروت لغته في الرد والحسم، والقطع بأنه محق وعلى حق دائم، وأن غيره شياطين.

هنا نكون على مشهد حي من صناعة ثقافة التحزب السلبي والرافض للآخر المختلف، إذ تحولت المظلومية إلى ظالمة وتحول الوعد إلى رعب ثقافي يتزايد يوماً بعد يوم، ومن ثم فإن ما يجري هو تشويه للمعاني وتكرار للخيبات التاريخية المعاصرة، بدءاً من خيبات اليسار العربي الثوري، إلى خـــيبة نشهدها عياناً، وفي الحالين راهنت ثقـــافتنا على المخلص المنقذ، فإذا به خيبة تـــحل من بعد خيبة، وتتبخر الوعود، ولكن بعد أن تخلف أمراضاً تزمن وتنغرس في الجماهير، وتبقى حتى وإن زال الفعل والفاعل.

هل هذه بكائية مني على زمن المقاومة، أم هي نقد يحاول التنبيه للأخطاء، ويأمل بآذان صاغية تتدارك ما تبقى من الجرة!

نيتي هي في الاحتمال الثاني، لأجل تصحيح المسار.

وأولى خطى تصحيح المسار هي في إدراك أن ما نشهده على «تويتر» ليس سوى علامة على نوع من التغذية والتشرب الثقافي الناتج من التوجه الحزبي الفئوي، وهو خطاب يتغلغل في نفوس جماهير لا تحصى، وعلى امتداد المعمورة، حتى ليصبح نسقاً مغروساً في الذهنيات، ومن ثم في السلوكيات، يحدث معه انفصام اجتماعي مع المحيط المحايث والداخلي، وهذا ما يتطلب منا مباشرة الحال بنقد عقلاني يسمي الأخطاء بأسمائها، كما سمينا المقاومة باسمها «حينما كانت مقاومة».

وفي المقالة المقبلة (تُنشر لاحقاً) وقفة مماثلة على حال الحزبية السنية.

 

 

مقالات ذات صلة

Sign In

Reset Your Password