كيف تحاول الصين بهدوء بناء رواية اتهام واشنطن بمؤامرة الوقوف وراء كورونا فيروس

كورونا فيروس

وجهت بكين اتهامات على مستويات مختلفة إلى واشنطن باحتمال وقوفها وراء تطوير ونشر كورونا فيروس في العالم وأساسا الصين، وبهذا فهي تعطي لفكرة المؤامرة أو المخططات السرية الكثير من المصداقية لاسيما وأن الصين لم تتراجع عن الاتهامات بصورة واضحة. وبينما الناس تتابع تطورات الفيروس، تتقصى الكثير من الأجهزة الاستخباراتية في العالم وخاصة الدول الكبرى حول نظرية المؤامرة.

ويعج العالم بالكثير من أطروحات المؤامرة في العلاقات الداخلية للدول وفي العلاقات العالمية، وهناك أدلة قوية على وجود مفهوم المؤامرة أو المخططات السرية، وهناك أخرى تبقى مجرد روايات سوريالية. ومنذ ظهور كورونا فيروس في الصين وبدء انتشاره نحو العالم، بدأت أولى روايات المؤامرة تنتشر في صحافة العالم، لكن المنعطف الكبير هو تصريحات الناطق باسم وزارة الخارجية يوم الخميس ثم الجمعة من الأسبوع الجاري.

جاء التصريح الأول على شكل تغريدة للناطق باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو لي جيان في تويتر ونقلتها مختلف وسائل الإعلام الدولية مثل “رويترز” يوجه شبهة التورط للجيش الأمريكي في جلب كورونا فيروس إلى مدينة ووهان التي كانت الأكثر تضررا من هذا الفيروس.

وتساءل الناطق في تويتر “متى ظهر المرض في الولايات المتحدة؟ كم عدد الناس الذين أصيبوا به؟ ما هي أسماء المستشفيات؟ ربما جلب الجيش الأمريكي الوباء إلى ووهان، تحلوا بالشفافية وأعلنوا بياناتكم، أمريكا مدينة لنا بتفسير”. والمثير أن هذا المسؤول نشر في التغريدة رابط فيديو روبر ريدفيلد مدير قسم مكافحة الأوبئة والأمراض في الولايات المتحدة الذي قال أمام الكونغرس بالعثور على الفيروس في جسم أمريكيين توفوا به في الماضي. وتعتقد الصين أن هذا التصريح خطير يؤكد وجود الفيروس سابقا في الولايات المتحدة قبل انتقاله إلى الصين، ولهذا طالب الدبلوماسي بضرورة كشف واشنطن عن المستشفيات التي توفي فيها المصابون.

ورغم أن التغريدة لا تعد بيانا رسميا، إلا أن مسؤولا من حجم الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية لا يمكنه نشر تغريدة من هذا النوع بدون ضوء أخضر من القيادة الرئيسية في البلاد. وبعد استدعاء واشنطن السفير الصيني المعتمد لديها يوم الجمعة للاحتجاج، لم تبادر بكين إلى تكذيب خبر المؤامرة بل صدر تصريح آخر يعزز من هذه الفرضية. وفي رده على سؤال حول الاتهامات، قال ناطق آخر للخارجية الصينية وهو غي شوان “المجتمع الدولي لديه آراء مختلفة ومتعددة بشأن مصدر انتشار الفيروس، إن قضية مصدر الفيروس سيحددها العلم”.

المؤامرة في العلاقات الدولية

تعد المؤامرة أو المخططات السرية من ركائز الصراع في العلاقات الدولية، وعندما يتم الكشف عن بعض الوثائق السرية يجد المرء أخبارا ومعطيات مختلفة عن تلك التي كان يعتقد فيها اعتقادا أشبه بالمعتقد الديني. ونستعرض أربعة نماذج للمؤامرة، الأول وهو الاتفاقية السرية سايس بيكو التي قامت بتقسيم الجزء العربي من الإمبراطورية العثمانية، والحادث الثاني هو المخطط السري باتهام العراق بأسلحة نووية لتبرير حرب ضده، أما المخطط السري الثالث وهو العمليات الإرهابية التي نفذها الحلف الأطلسي في دول غربية مثل إيطاليا واتهام اليسار بالوقوف وراءها حتى لا يصل إلى الحكم (القدس العربي: عندما نفذ الحلف الأطلسي عمليات إرهابية ونسبها لليسار 24 فبراير 2020).

وفي مجال الفيروسات، يوم 2 تشرين الأول/أكتوبر من سنة 2010 طلب الرئيس الأمريكي باراك أوباما المعذرة من غواتيمالا بسبب تجربة خطيرة نفذها الجيش الأمريكي بنشر فيروسات جنسية في صفوف معتقلين نزلاء مستشفى نفسي في غواتيمالا ما بين 1946-1948. وكان سياسيون وصحافيون منذ الستينات يتهمون الولايات المتحدة بالوقوف وراء نشر الفيروس، لكن أصواتهم ضاعت وكانت تتم السخرية منهم. وبعد مرور ستين سنة كشفت تحقيقات عملية هذه الجريمة، واضطرت الرئيس أوباما إلى الاعتذار رسميا والحديث عن تعويضات. وهناك روايات كثيرة في دول أمريكا الجنوبية تتحدث عن تجارب حول فيروسات وبكتيريا مختلفة جرى تجريبها في صفوف السكان الأصليين.

مؤامرة كورونا فيروس

مباشرة بعد بدء الفيروس، تداولت شبكات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام صفحات من رواية “في عيون الظلام”The Eyes Of Darknees  التي ألفها الكاتب الأمريكي الشهير دين كونتز سنة 1981 وتتحدث عن ظهور تعديل الجيش الصيني لفيروس خطير في مدينة ووهان الصينية سنة 2020 أي 39 سنة قبل ظهور الفيروس، وانتشاره في العالم. ويبقى المثير أن أولى المعطيات حول فرضية المؤامرة صدرت عن الجانب الأمريكي عندما اتهم السيناتور الجمهوري توم كيتون عن ولاية أركنساس في تصريح لقناة “فوكس نيوز” يوم 17 شباط/فبراير الماضي بأن الجيش الصيني وراء الفيروس كسلاح للحرب البيولوجية.

في الوقت ذاته، بدأت حسابات في شبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر توجه اتهامات إلى الولايات المتحدة. وحذّرت الاستخبارات الأمريكية من خطورة هذه الحسابات واتهمت روسيا بالوقوف وراءها وكذلك جهات في الولايات المتحدة، واضطر تويتر إلى حذف مئات الحسابات ومنها الحساب الشهير ZeroHedge الذي لديه ملايين المتابعين وهو حساب أمريكي الذي يؤكد فرضية المؤامرة، واشتهر بأنه كان وراء فضح بنك غولدمان ساكس بالتلاعب بتقنيات رياضية دقيقة عبر روبوتات بمنتوجات شركات في بورصة والت ستريت سنة 2009. واتهم فيليب ريكر مساعد وزير الخارجية المكلف بالشؤون الأوروبية والأوروأسيوية يوم 20 شباط/فبراير الماضي روسيا بالترويج لفرضية المؤامرة للإساءة إلى صورة واشنطن في العالم.

الكثير من الجرائد الصينية والروسية تتهم مباشرة الولايات المتحدة بالوقوف وراء نشر الفيروس. والرواية الرائجة حتى الآن هي استغلال الألعاب العسكرية العالمية في ووهان خلال تشرين الأول/أكتوبر الماضي، حيث قام ضابط ضمن الأمريكيين بنشر الفيروس بطريقة صامتة لأن أولى الحالات جرى تسجيلها يوم 17 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أسبوعين بعد انتهاء الألعاب، وهي مدة اختمار الفيروس في الجسم وبدء ظهور أعراضه.

ويبقى الاتهام الخطير هو الصادر بطريقة غير مباشرة عن الحكومة الصينية. ولا تروج بكين للمزاعم السوريالية، ولكنها ترغب في توظيف العلم في تفسير مؤامرة ظهور كورونا في محاولة إقناع الرأي العام الدولي، وهو ما شدد عليه الناطق باسم وزارة الخارجية يوم الجمعة بقوله هناك آراء والعلم هو الذي سيجيب. في هذا الصدد، ترتكز الأطروحة الصينية على شقين، العلمي والجيوسياسي. وعليه علاقة بالعلمي:

في المقام الأول، تاريخيا، الصينيون يأكلون مختلف الحيوانات، ولم يسبق تسجيل فيروس من هذا النوع، ولماذا الآن في وقت ارتفعت فيه إجراءات الحماية. ثم لماذا يتأخر الفيروس أسبوعين للظهور علما أن جميع الفيروسات المتعلقة بالتنفس ومنها فيروسات من عائلة سارس الذي ينتمي إليه كورونا فيروس تظهر في خمسة أيام؟ ولهذا يعتقد بعض العلماء في قيام مختبر ما بإدخال تعديلات على فيروس من عائلة سارس وتحويله إلى قاتل صامت.

في المقام الثاني، يؤكد تشونغ نان شان الرئيس السابق للهيئة الطبية في الصين والعالم الذي كان وراء اكتشاف فيروس سارس سنة 2003 الشبيه بكورونا فيروس قال منذ أيام “كورونا فيروس جرى رصده في الصين بالفعل ولكن لا توجد أدلة على أنه صيني المصدر” وهو بهذا يؤكد على وصول الفيروس من الخارج. ويعد هذا العالم مرجعا في عالم الفيروسات المتعلقة بالتنفس، وهو ما جعل نظرية المؤامرة أو التخطيط السري تأخذ أهمية كبيرة. وبدوره، طالب العالم الروسي إيغور نيكولين العضو السابق في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية بضرورة فتح الولايات المتحدة مختبراتها للتفتيش الدولي لمعرفة هل كانت مصدر كورونا فيروس.

وعلاقة بالشق الجيوسياسي، يعتقد الصينيون في فرضية وجود مخطط جهات معينة ترغب في ضرب العولمة بعدما تبين استفادة الصين منها والنتيجة تحولها إلى مصنع العالم. وعليه، فالفيروس، يقضي على حركة تنقل الأشخاص ونقل البضائع جوا والآن بحرا بعدما قررت الإدارة الأمريكية إغلاق موانئها في وجه البحرية الدولية لمدة شهر كامل قابل للتمديد. وسيحمل معه الوضع العالمي المتميز بالاستنفار والطوارئ حاليا تراجعا حقيقيا لطريق الحرير، وهو الطريق الجيوسياسي الذي ترغب من وراءه الصين التحول إلى أكبر قوة اقتصادية في تاريخ البشرية خلال عقد واحد. وهذه النقطة هي التي تنعش المؤامرة.

في غضون ذلك، لا تشرف الحكومات الرسمية على تنفيذ المؤامرات، بل في الكثير من الأحيان تكون تيارات داخل الدولة العميقة بكل تشعباتها العسكرية والاقتصادية والدينية هي المسؤولة عن المخططات السرية. ويبقى المعطى الرئيسي هو، بينما العالم مفزوع من كورونا فيروس والصحافة تتابع عن كثب، هناك فرق من استخبارات لدول كبرى ومنها الصين وإيطاليا تتقصى هل كورونا فيروس مؤامرة أم لا؟

Hits: 1910

Sign In

Reset Your Password