موريتانيا واستراتيجية الشراكة مع الغرب: رهانات الأمن والتحالفات الاستراتيجية والطاقة

الرئيس الموريتاني محمد الغزواني

كانت موريتانيا من الدول القليلة التي حضرت قمة منظمة شمال الحلف الأطلسي في العاصمة مدريد خلال يونيو 2022، حضور أبرز الأهمية التي يكتسيها هذا البلد في الأجندة الغربية لمواجهة خطر اللاستقرار في منطقة الساحل الإفريقي وتجنب وقوعه في فلك الصين وروسيا.

 

التموضع غير المريح

وحتى منتصف العقد الماضي، كانت موريتانيا تفتقر إلى تموضع سياسي واضح في منظومة العلاقات الدولية. فهي، من جهة، دولة عربية ذات امتداد إفريقي بحكم حدودها الجغرافية مع دول الساحل وغرب إفريقيا، ومن جهة أخرى تسعى، عبر انخراطها في اتحاد المغرب العربي، إلى ترسيخ انتماء متوسطي يقرّبها من جنوب أوروبا، ولا سيما بالنظر إلى قربها الجغرافي من جزر الكناري الإسبانية.

وقد تفاقم هذا الإشكال الهوياتي نتيجة لانفتاحها الإفريقي على بيئة إقليمية تعاني من عدم الاستقرار، الأمر الذي انعكس سلبًا على فرص نموها الاقتصادي. في المقابل، ظلت علاقاتها مع الشمال رهينة للتوترات الإقليمية، وعلى رأسها الصراع المغربي-الجزائري حول زعامة المغرب العربي ونزاع الصحراء، مما حدّ من قدرتها على بلورة سياسة خارجية متوازنة ومستقرة. ومن أبرز محاولات تأكيد دورها الإقليمي إفريقيا كان تأسيس تجمع دول الساحل رفقة مالي والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو سنة 2015، حيث أقصت المغرب والجزائر من الحضور ولو بصفة مراقبين، بينما استدعت دول مثل اسبانيا وفرنسا للحضور كمراقبين. وكانت نواكشوط تسعى الى بناء تكتل للساحل الإفريقي تقوم زعيمته للتفاوض مع إفريقيا الغربية والغرب ودول شمال إفريقيا.

 

الرهان على الغرب

مع وصول الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الى رئاسة البلاد سنة 2019، بدأت تتغير ملامح العلاقات والتحالفات الدولية لموريتانيا. فقد أدركت هشاشة التحالف مع دول الساحل بعد حالة غياب الاستقرار التي شهدتها المنطقة وخاصة بعد الانقلابات العسكرية التي شهدتها النيجر وبوركينافاسو ومالي. وتزامن هذا مع بداية تبلور الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والغرب في مواجهة الثنائي الصيتن-روسيا. وهكذا، قررت قيادة البلاد الحالية الرهان على الغرب لتبدأ مسيرة التعاون مع الحلف الأطلسي وتطور العلاقات مع الحليف الرئيسي الاتحاد الأوروبي. في هذا الصدد، يقول سيدي محمد  الطلبة، وهو صحفي موريتاني مقيم في اسبانيا بأن “موريتانيا تحولت الى “مرساة استقرار” في ساحل إفريقي  مضطرب”. ويبرز أنه “مع الانقلابات المتتالية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتصاعد نفوذ الجماعات المسلحة، أصبحت نواكشوط تُقدَّم في الدوائر الغربية بوصفها “الناجي الوحيد من الفوضى في الساحل”. هذا الموقع الخاص جعلها شريكًا مفضلًا للناتو في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، وتأمين السواحل الممتدة على المحيط الأطلسي، التي تحولت إلى أحد أهم مسارات الهجرة غير النظامية نحو جزر الكناري”.

وعمليا يجب فهم هذه العلاقة المتينة الآخذة في التطور بين موريتانيا مع الغرب استنادا الى عوامل متعددة، وعلى رأسها ما يلي:

تعزيز الاستقلالية: وعت موريتانيا بأهميتها الاستراتيجية الجديدة للغرب على مستويات مكافحة الإرهاب والثروات مستقبلا. ولهذا تريد استغلال هذه الظروف لتعزيز وضعها السياسي والاقتصادي، مما يسمح لها باستقلالية كبيرة عن المغرب والجزائر. ونتيجة هذا، تستمر نواكشوط في الحفاظ على علاقات مع الرباط والجزائر، ولكنها تطمح الى جعل اسبانيا الشريك الرئيسي اقتصاديا وبوابتها نحو الاتحاد الأوروبي بدل القوة الاستعمارية السابقة فرنسا.

جدار ضد التطرف: يرى الغرب أن موريتانيا يجب أن تكون الجدار لمنع وصول الحركات المتطرفة التي تهدد استقرار الساحل الإفريقي من الوصول الى الساحل الأطلسي، الأمر الذي سيكون خطيرا جدا على الملاحة البحرية. ولهذا، ويجد تعاون بين هذا البلد مع الحلف الأطلسي، ثم مع دول غربية بشكل ثنائي مثل برنامج التعاون العسكري مع الولايات المتحدة المعروف ب Pan-Sahel Initiative  الذي يتطور تدريجيا. ويبقى المنعطف الحقيقي هو حضور موريتانيا في قمة الحلف الأطلسي في مدريد خلال يونيو 2022، وكانت من الدول القليلة التي لا تتمتع بالعضوية التي حضرت القمة. ويقول الإعلامي سيد محمد الطلبة لجريدة القدس العربي أن الحضور الموريتاني للقمة كان له رمزية كبيرة لأنه كرس الاعتراف بأهمية موريتانيا كشريك في الأمن والاستقرار الدولي في الساحل الأطلسي والإفريقي. وتستفيد موريتانيا من العلاقة مع الحلف من الحصول على تدريب عسكري متقدّم.، ثم دعم في مراقبة الحدود والسواحل. ويضاف الى هذا تعزيز القدرات لمواجهة الإرهاب والمتطرفين في الساحل. والأساسي هو نسج العلاقة مع أكبر تكتل عسكري في العالم. في المقابل، يعتبر الحلف الأطلسي موريتانيا تمثّل دولة استقرار في منطقة مضطربة، وقادرة على دعم الأمن الإقليمي. وكان الرئيس الموريتاني الغزواني واضحا بقوله حول هذه العلاقة “”التعاون بين موريتانيا وحلف شمال الأطلسي ليس جديداً، وقد تطور عبر سنوات، ونرغب في تعزيز هذا التعاون وتنويعه بما يخدم الاستقرار في منطقة الساحل.”

الإبعاد عن الصين: كثير من القرارات الدولية ومنها المتعلقة بالتحالفات الأمنية والعسكرية لا يمكن فصلها عن التموقع المسبق ضمن الحرب الباردة الآخذة في لتبلور بين الحلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحد في مواجهة الثنائي الصين-روسيا. وتبحث الصين وروسيا عن قواعد عسكرية أو فقط للتوقف في الشاطئ الأطلسي. ذلك أن البنتاغون يعتبر  شفتي المحيط الأطلسي والبحر الكاريبي والمياه المحيطة بأوروبا وأفريقيا الغربية مناطق حيوية للأمن القومي الأمريكي ولحرية الملاحة. ويعتبر الأمن القومي الأمريكي أن أي وجود صيني محتمل في هذه المنطقة يُنظر إليه كتهديد لإستراتيجية الردع البحري للولايات المتحدة. وعليه، تعمل واشنطن عبر سياسة الحلفاء والشراكات الاستراتيجية لمنع الصين من بناء قواعد عسكرية أو نقاط لوجستية دائمة في الأطلسي. في هذا الصدد، يأتي رهان الغرب كثيرا على موريتانيا ضمن منع الصين الحصول على تسهيلات عسكرية في موريتانيا. ويرى سيد محمد الطلبة أن

مصدر طاقة مستقبلا: عثرت موريتانيا على الغاز في الحوض البحري المشترك مع السينغال، ويقدر ب 15 تريليون متر مكعب. ويحتاج الى استثمار ضخم من طرف الشركات الغربية. ورغم هذا، ينظر الغرب الى هذا المخزون من الغاز ضمن البدائل التي يمكن الاعتماد عليها مستقبلا للتقليل من الاعتماد على الغاز الروسي. وهذا يمنح لموريتانيا مزيدا من الأهمية في الأجندة الغربية، تتجاوز ما هو أمني وعسكري مثل محاربة الإرهاب والهجرة غير النظامية الى المشاركة في الأمن الطاقوي للغرب وأساسا أوروبا.

في غضون ذلك، تحولت موريتانيا الى قطعة رئيسية في الأجندة الغربية عسكريا والطاقة، وتستغل نواكشوط هذه العلاقة المتميزة لتحجز لنفسها مكانة المخاطب بين شمال إفريقيا وغربها ومنطقة الساحل.

Sign In

Reset Your Password