تفاجأ الكثيرون من الإجراءات الجيوسياسية العنيقة التي أقدمت عليها الإدارة الأمريكية بزعامة دونالد ترامب في فنزويلا والآن تهدد بالسيطرة على جزيرة غرينلاند، في حين هذه القرارات تبقى عادية في مسار التاريخ الأمريكي وخاصة في ما يمكن تسميته بالفكر السياسي الأنجلوسكسوني.
نعم، كانت مشاهد اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو صادمة يوم 3 يناير الجاري، لأنه اعتداء على دولة بمبرر مكافحة المخدرات، علما أن المخدرات التي تصل الى الأراضي الأمريكية من هذا البلد هي 1%. في حين أن السبب الرئيسي هو حماية نظام البترودولار، تسعير النفط بالعملة الأمريكية، وإبعاد الصين عن أمريكا اللاتينية. من باب المقارنة، تعتبر هذه العملية العسكرية بسيطة أمام الحرب التي شنتها إدارة جورج بوش الإبن على العراق سنة 2003 وخلفت مئات الآلاف من القتلى، وترتب عنها الإرهاب في المنطقة وغياب الاستقرار الذي يعاني منه جيلين. وقبل حرب الخليج الثانية، سنجد مغامرات الفيتنام، وقبلها الحرب الأمريكية في كوريا. والأمثلة كثير ومختلف وفق السياقات التاريخية وثقل الحدث. منذ استقلالها، خاضت الولايات المتحدة أكثر من مائة حرب وعملية عسكرية في الخارج، كلفتها حوالي مليون و300 ألف جندي.
واعتادت الولايات المتحدة اتخاذ تطبيق ¨مصلحة الأمن القومي للبلاد فوق أي اعتبار أخلاقي وقانوني”. ولهذا، ورغم انتماء هذا البلد الى الحلف الأطلسي بل ويشكل ركيزته الأساسية، لم تتردد الإدارة الأمريكية الحالية في خلق حالة استثنائية وشاذة للغاية، وتتجلى في أن التهديد الذي يمس الآن أوروبا وخاصة الدنمرك مصدره واشنطن. وذلك بسبب رغبة البيت الأبيض في السيطرة على جزيرة غرينلاند. الاهتمام بالجزيرة لا يقتصر فقط على ثرواتها بل المحرك الرئيسي هو الخوف من سقوطها في يد الثنائي روسيا-الصين خلال العقود المقبلة ، ولن تكون لا الدنمرك ولا أوروبا قدرة على حمايتها. ورغم رغبتها في السيطرة على الجزيرة منذ القرن التاسع عشر عندما أرادت شرائها، إلا أنها تحركت الآن بقوة لا لطبيعة ترامب المغامرة سياسيا، بل لأن الخطر الصيني والروسي يقترب من غرينلاند التي تطل على الولايات المتحدة وكندا. ويبقى هدف الضغط الأمريكي هو لتحقيق هدفين، شراء الجزيرة أو ربطها بطريقة ما كدولة شريكة بالولايات المتحدة. والهدف الثاني هو عرقلة الخط البحري الروسي-الصيني عبر القطب الشمالي.
إن الفكر الجيوسياسي الأمريكي يقوم على تطبيق نظرية “القدر المتجلي” التي تبلورت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وتجلت في الاعتقاد بأن الله أناط بالولايات المتحدة التوسع في شمال القارة الأمريكية لنشر الديمقراطية والنظام الرأسمالي. وهذه النظرية هي عماد العلاقات الخارجية الأمريكية، ولم تعد جغرافيا تقتصر على القارة الأمريكية بل امتدت الى مناطق متعددة ومنها محاولة ضم كندا سنة 1812 وبدء ضم الجنوب الأمريكي مثل تكساس ولويزيانا وكاليفورنيا ثم حرب طرد اسبانيا من كوبا سنة 1898، حيث عمدت الى طرد إسبانيا كذلك من الفلبين واحتلت هذا البلد من 1898 الى 1946. كما فكرت في نهاية القرن التاسع عشر في احتلال جزر الكناري وسبتة ومليلية. ورغم أن عقيدة مونرو سابقة في التسمية فقط لعقيدة “القدر المتجلي”، إلا أن الأولى مستوحاة من الثانية.
ولا يمكن استبعاد تدخل الولايات المتحدة في المستقبل القريب في مناطق أخرى إذا اقتضت ضرورة الأمن القومي. وهذه الدينامية التي بدأتها سيتممها الرؤساء القادمون بإيقاع مختلف ولو كانوا من الديمقراطيين أو من التيار المعتدل للحزب الجمهوري، لأنها كلها مؤطرة ضمن محاصرة النفوذ الصيني الذي يهدد الريادة الأمريكية على العالم. وهذا يجر الى الحديث على أن الحرب الباردة الجديدة التي يتكهن البعض بحدوثها، قد بدأت بالفعل وقد انطلقت شرارتها منذ سنوات، وما يجري في فنزويلا عنوانها البارز الآن. وعليه، شكل العملية العسكرية الأمريكية ضد فنزويلا الانطلاقة الرسمية لهذه الحرب الباردة.
ويبقى الجديد في الحرب الباردة الجديدة أنها تختلف عن سابقتها في القرن العشرين. هذه الأخيرة جرت بين الغرب بزعامة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي زعيم المعسكر الشيوعي. غير أن الحرب الباردة الجديدة لا تقع بين الغرب والصين بل تنفرد فيها الولايات المتحدة بالدفاع عن مصالحها بالأساس. ولهذا، نجدها تتفاوض مع روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا مما يخدم مصالح موسكو من جهة، وتتخذ قرارات احترازية ضد الصين في غرينلاند بما في ذلك المساس بعضو من الحلف الأطلسي من جهة أخرى.
من ضمن الأصوات الناضجة في التحاليل الدولية، المدير الأسبق للمخابرات الفرنسية آلان جوييه الذي قال الأسبوع الماضي في برنامجه على اليوتوب أنه “سيكون من السذاجة الاعتقاد أن سياسة ترامب هي تصرفات كاوبوي، إدارته تدرك جيدا ما تفعل، فهي تبني الإمبراطورية الأمريكية حيث مناطق نفوذ تابعة لها بالقوة”، مشيرا الى أن منطقة النفوذ الأولى هي أمريكا اللاتينية والكاريبي وكندا والآن غرينلاند. ويشدد أن “السياسة الواقعية وجيوبولتيك لا تعترف بالمصالح وليس الأخلاق أو القانون”.
وحتى لا نتفاجأ من غياب الأخلاق والقانون في السياسة الدولية بل حتى الداخلية، نقدم مثالا لندرك مستوى بعض الإجراءات التي تقدم عليها الدول الغربية ليس فقط في علاقاتها الدولية بل حتى مع شعوبها إذا اقتضت ضرورة الأمن القومي، بما في ذلك تنظيم عمليات إرهابية. ولنتأمل هذه الوقائع جيدا: لمواجهة سيناريو احتلال الاتحاد السوفياتي لأوروبا، أنشأ الحلف الأطلسي والمخابرات الغربية في الستينات منظمة كلاديو التي ستتولى عمليات المقاومة السرية ضد الغزو السوفياتي. وتطور الأمر الى نهج استراتيجية “حالة التوتر الدائم” في بعض الدول الغربية التي كان فيها الحزب الشيوعي قويا. ثم انتقل الأمر الى تنفيذ عمليات إرهابية في أوروبا واتهام التيارات اليسارية بأنها المسؤولة، وكل هذا لتشويه صورة اليسار الشيوعي ومنعه من الوصول الى السلطة خاصة في إيطاليا. ونفذت تيارات من غلاديو عمليات إرهابية سنة 1969 في ميلانو خلفت مقتل 17 شخصا، ثم قامت بتفجير محطة بريشيا سنة 1974 وخلفت 8 قتلى ونفذت عملية مماثلة في مدينة بولونيا سنة 1980 وخلفت مقتل 80 شخصا، وكانت أخطر عملية إرهابية في تاريخ إيطاليا. ولم تنجو بلجيكا من سلسلة من عمليات إرهابية تعرف بعمليات برابانت ما بين 1982 الى 1984، وخلفت مقتل 28 شخصا. غلاديو التي بدأت كمخطط ضد الغزو السوفياتي، تحولت لاحقا الى سلاح ضد الديمقراطية وخاصة اليسار. اعترفت إيطاليا رسميا بوقوف هذه المجموعة وراء العمليات الإرهابية، كما وصل التحقيق في بلجيكا الى النتيجة نفسها. لكن هذا الملف مازال يلفه الكثير من السرية باسم الأمن القومي الغربي. ويبرز كيف أن ضرورة الأمن القومي فوق القانون والأخلاق.
لهذا، عندما نطلع على التاريخ بما فيه القريب منا، ونعني القرن العشرين، لا يجب أن نتفاجأ أو نستغرب مما يجري اليوم من حروب وتقتيل وانتهاكات وعودة الاستعمار في نسخة جديدة. لهذا، لا يجب رؤية ترامب ككاوبوي ساذج بل هو كاوبوي جيوسياسي يعمل وفق مخطط دقيق وذكي وإن كان في مظهر شعبوي، وهدفه هو محاصرة النفوذ الصيني الذي يهدد عرش واشنطن على العالم.
