بروح قبعة الفينيقي الحامل للسلام والمسلح بالبراغماتية الأمريكية التي تراعي المصالح، يحاول مسعد بولس المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي ترامب في الشؤون العربية والشرق أوسطية والإفريقية تقريب وجهات نظر في ملف الصحراء المغربية الذي يعتبره شائكا، والتطلع الى توقيع اتفاق إطار قبل بداية الصيف المقبل.
ومثيرة هي شخصية المشرف على المفاوضات مسعد بولوس، فهو الأمريكي من أصول لبنانية الذي فرض نفسه على أطراف النزاع رغم أن الدول العربية ترفض عادة وسطاء عرب أو من أصل عربي، بسبب عقدة الأجنبي. ومن جهة ثانية، يتبنى استراتيجية براغماتية تقوم على الرؤية الجديدة للأمن القومي الأمريكي واستحضار بصمات شخصية مرتبطة مجازيا بثقافة السلام الفينيقية في علاقاتها بشمال إفريقيا عبر التاريخ، حيث يريد أن يكون مثل تلك السفن الفينيقية ساهمت في بناء مرافئ تجارية في شمال إفريقيا ومازالت قائمة الى يومنا هذا، وقامت بتقريب غرب المتوسط الى شرقه، وكان ذلك في الألفية الأولى قبل الميلاد.
وفي ظرف شهر واحد، نجح مسعد بولس في عقد ثلاث جولات من المفاوضات جمعت المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو بدأت نهاية يناير الجاري في فلوريدا والثانية منذ أسبوعين في العاصمة مدريد والثالثة هذا الأسبوع في واشنطن. وهو رقم قياسي من الجولات لم يحققه أي مبعوث أممي سابق من وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر الى المبعوث الحالي ستيفان دي ميستورا. ويساعد عاملان في هذا الإيقاع السريع، الأول وهو وقوف رئيس أمريكي من طينة دونالد ترامب وراء البحث عن الحل والمصالحة بين المغرب والجزائر، وهو الشخصية الذي يحمل العصا الدبلوماسية لفرض تصوراته ويتجنب الجميع إغضابه، ويتجلى الثاني في تفهم الغرب لمطالب المغرب التاريخية في النزاع واعتبار الحكم الذاتي الأمثل لاستقرار المنطقة وإبعاد أي تدخل صيني وروسي مستقبلا، وبالتالي حانت ساعة الحل.
ويعد محور المفاوضات هو الحكم الذاتي في نسخته الجديدة التي تقدم بها المغرب وكما نص عليه قرار مجلس الأمن 2797. ويدخل كل طرف هذه المفاوضات وهو يحمل آمالا وهواجس تتحكم فيه. في هذا الصدد، يشعر المغرب بالانصاف التاريخي أكثر من الانتصار بعدما تبنى المجتمع الدولي مقترح الحكم الذاتي حلا للنزاع واعتبر أن الأمم المتحدة أنصفته، ولكنه يتوجس من انتهاء المفاوضات بمستوى عال من الصلاحيات التي يجب تقديمها ومنها تعديل الدستور المغربي حتى يستوعب مطالب حقيقية للحكم الذاتي، ثم الانفتاح السياسي في باقي مناطق المغرب لتفادي الحجازات مستقبلا بين مختلف المناطق. ومن جهتها، تدخل البوليساريو المفاوضات وهي تريد تحقيق مكاسب تجعل من صلاحيات الحكم الذاتي وكأنها تشعر بأنها قد حصلت على كيان وسط الدولة المغربية. وهذه النقطة الأخيرة هي لحفظ ماء الوجه وتهدئة المتشددين في جبهة البوليساريو والجزائر. بينما لم تعد الجزائر تعارض كثيرا بقدر ما تؤيد خطوات البوليساريو، وهي تدرك عمق ومغزى تصريح بولس أن “موقف الولايات المتحدة القاضي بالاعتراف بمغربية الصحراء ثابت ولا يتغير” لاسيما في ظل عدم معارضة بكين وموسكو للحكم الذاتي. وتريد التوصل الى حل يجنبها انعكاسات قد تكون سلبية بعدما بدأ الغرب وخاصة واشنطن تطالبها بالانضمام الى حظيرة الغرب أكثر من الرهان على روسيا والصين، وأن لا تصبح كاليننغراد جديدة جنوب المتوسط. بينما تحضر موريتانيا هذه المفاوضات وهي تريد الحصول على ضمانات أمنية واقتصادية واجتماعية تؤمن لها علاقة خاصة بين ساكنة شمال هذا البلد وساكنة منطقة الحكم الذاتي في الصحراء، وأن لا يؤثر التطور الاقتصادي في الصحراء مثل تشييد بعض الموانئ على ميناء نواذيبو.
وهكذا، فقد اعترف المبعوث الأمريكي مسعد بولس بأن الملف شائك ويتطلب اجتهادات سياسية في إطار الحكم الذاتي للتوصل الى حل لا يكون مؤقتا بل دائما، وأن يخلق وضعا جديدا في العلاقات بين دول شمال إفريقيا خاصة ضرورة إرساء الصلح بين المغرب والجزائر، لأن الصلح هو الضمانة الحقيقية لحل النزاع. وهذا يمر عبر وصفة تحمل قرائتين، من جهة يشعر المغرب أن الصلاحيات الكبيرة التي منحها للصحراء في إطار الحكم الذاتي تحافظ على سيادته، ومن جهة أخرى جعل الصحراويين وخاصة البوليساريو يشعرون بأن صلاحيات الحكم التي منحت لهم وكأنهم يمارسون حياتهم السياسية والاقتصادية والثقافية في كيان خاص بهم على شاكلة بعض أنواع الحكم الذاتي المتقدم مثل كتالونيا الإسبانية واسكتلندا في إطار المملكة المتحدة وكيبيك الكندية. ورغم الإيقاع الذي فرضته واشنطن في المفاوضات وهو التوصل الى اتفاق إطار في مايو المقبل، إلا أن هناك جوانب حساسة يجب مراعاتها وأخذها بعين الاعتبار في المفاوضات وهي:
في المقام الأول، ترفض واشنطن حضور الاتحاد الأوروبي في المفاوضات، حتى ولو على نحوٍ رمزي، رغم أن الجولة الثانية جرت في عاصمة أوروبية وهي مدريد. وقد يكون لهذا الموقف ما يبرره، إذ إن الاتحاد لم يبد في السابق أي جهد يذكر لحل النزاع الواقع على حدوده الجنوبية ومن مخلفات إرثه الاستعماري، مكتفيا بموقف سلبي إلى حد كبير. غير أن الروابط التاريخية، ولا سيما الاقتصادية والاجتماعية، التي تجمع بين بعض الدول الأوروبية وأطراف النزاع، تظل عاملًا مهما لا يمكن تجاهل تأثيره السياسي. والحكمة هنا تفرض دعوة الاتحاد الأوروبي لجولات المفاوضات كمراقب لاسيما وأنه سيكون ضمن ممولي الحكم الذاتي مستقبلا. كما أن إشراك الاتحاد الأوروبي سيقلل من مبادرات الأوروبيين من أنصار تقرير المصير مستقبلا. إذ يجب استحضار كيف يتم بعث نزاعات يعتقد البعض أنها انتهت من الرماد، أو كيف تحيى نزاعات مع مرور الوقت مجددا لأن التأثير الاثني يكون قويا، وهو ما يحدث مع بعض المناطق الأوروبية مثل كتالونيا وبلد الباسك واسكتلندا.
في المقام الثاني، تركز واشنطن كثيرا على الحل السياسي وتهمش الاجتماعي، علما أن الاستعمار الذي دخل الى الصحراء في القرن التاسع عشر ثم الحرب التي نشبت منتصف التسعينات من القرن الماضي وما ترتب عن هذا من جفاء اجتماعي، جعل ثلاثة أجيال تعيش أحقادا خطيرة، وهو ما انتبهت له الأمم المتحدة عندما سنت برنامج تبادل الزيارات بين عائلات في الصحراء ومخيمات تندوف. ربما سيكون التعاطي مع هذا الجانب بعد التوصل الى اتفاق الإطار العام في مايو المقبل.
في غضون ذلك، مجلس الأمن رسم خريطة طريقة الحل عبر قرار 2797، والباقي هو كيف سيتصرف مسعد بولس بشطارة الفينيقي وبراغماتية الأمريكي لتلبية مطالب الأطراف الأربعة للتوقيع على اتفاقية الإطار في البيت الأبيض قبل متم مايو المقبل.
