كتاب «جيوبوليتيك: رؤية من الجنوب» تفكير في عالَم جديد قيد التشكل/ د. مزوار الإدريسي

صورة للكتاب

صدر كتابٌ جديد للإعلامي والباحثِ حسين مجدوبي، بعنوان «جيوبوليتيك: رؤية من الجنوب» عن مكتبة دار سلمى الثقافية في المغرب، وهو مؤلَّف يَنخرط بشكل جليّ ضمن ما يُعرَف بوعي حركةِ جنوب – جنوب، ويَلمَس فيه القارئ اجتهادا واضحا في رصد ما يشهده العالم من تطورات ذات إيقاع سريع للغاية، ويتوسَّل فيه هذا المفكِّر الإعلامي بمفاهيم جيوسياسية تعالج هموم بلدان الجنوب وانشغالاتها وتطلعاتها. في فهرس هذا الكتاب الجديد الصادر في أبريل/ نيسان الماضي عن دار سلمى الثقافية في المغرب، سيكتشف القارئُ المتعوِّدُ على قِراءة مقالات المؤلِّف وكُتبه، بل وحتى مشاهدة بعض حواراته التلفزيونية، حضورَ مواضيعَ سبق أن طرَقها مجدوبي، منذ أزيد من ثلاثة عُقود، في مقالاته الصحافية، أو أولاها عناية خاصة، أو أبدى اهتماما بها كمتابِع مُدقِّقٍ لِمَا يَعتمِل في المجتمع الدولي، ومُحقِّقٍ في أحداثٍ متلاحقة، وتطوُّراتٍ متسارعة، وتحوُّلات لا تفتأ تشهدها الساحة السياسية العالمية.
واللافت في هذا الكتاب هو حِرص كاتبِه على تبني منهجية مُحكَمة في اختيار المواضيع، وفي مقاربة القضايا من زاويةٍ فاحصة وناصحة، تُراعي الجوهريَّ في الجيوسياسة، بمعنى استقصاء المواضيع والقضايا والأحداث ذاتِ الوقع الكبير، والتأثيرِ الواضح في العالَم على المدَيَيْن القصير والبعيد، التي ليس ضروريا أن يُلمَس تأثيرُها هذا في وقتنا الحاضر، بل إنه يُنبّهنا إلى ضرورة عدم الانسياق مع تيار الأجندة السريعة، التي تقف خلفها وسائل الإعلام، والتي من فرْط كثرتها تلجأ للترويج بتسرُّع وأحيانا بارتجال لأخبار كثيرة، فتتسبب في خلق شِبه صورة ضبابية يشوبُها الغبش، وأحيانا مزيِّفَة لمآل هذه الأحداث. وتماشيا مع هذا، يرسم بعض العناصر الرئيسية التي تساعد على بلورة خطاب جيوسياسي من الجنوب، أو رؤية من الجنوب، وأهمها الوزن الديمغرافي للجنوب، والنسبة المئوية التي ترتفع من سنة الى أخرى في الإنتاج القومي العالمي، ثم التفكير في خلق تكتلات إقليمية في ظل صعوبة إصلاح الأمم المتحدة.

ووعيا من المؤلِّف بهذا الواقع المُربِك، فقد ركّز كثيرا على ضرورة تشكيل رأي عام في الجنوب، يترك جانبا ما يطبعه من تنوع ديني، واختلافات لغوية وثقافية، واختيارات أيديولوجية متباينة، تكشف عن كثير من التعارض، وتُوهِم باستحالة التفاهم بين بلدان هذا الجنوب، التي توجد جُغرافيا في الجنوب – كتجمُّعات إقليمية في العالم العربي، والساحل الافريقي، وأمريكا اللاتينية، والشرق الأوسط»- ولم يتردَّد في اقتراح ما يُسعِف في تفادي التنابذ في ما بينها، وذلك بتشديده على أولوية الارتباط بالمصالح الحقيقية، عَبْر إظهار هذه البلدان «لنضج براغماتي»، يُحوِّل ما يفرِّق أو يثير الخلافات إلى عناصر تُفعِّل التكامل في ما بينها، بقصد حفاظها على كياناتها؛ ولا يتأتى ذلك في نظره إلا بتبنيها للحوار المسؤول، وبإعلانها الإيمان بالتعاون جنوب – جنوب، وتفويت الفرصة على الدول الكبرى، التي تعرف أن المُدخَل إلى حفاظها على مصالحها يكون عبر تعميق ما يُفرِّق بين الدُّول التابعة -حسب التعبير الكولونيالي- وتوريطها في نزاعات إقليمية أو داخلية، وثَنْيِها عن تفادي السقوط في خدمة غير مباشِرة لمصالح الدول الكبرى. ولا يخفى أنّ هذه التصوُّرات هي مُقترَحات فيها حَثٌّ لدُول الجنوب على الاهتمام بالمشاريع الاقتصادية المشترَكة في ما بينها، وحَضٌّ لكيلا تنخرط في الصراع الأمريكي – الصيني، ومن سيتزعم التجارة العالمية، بل أنْ يَكون هَمُّها هو التفكير في ما يجعل منها – كَأُمَم كانت تُعرَف بالنامية، أو في طريق النمو- قوَّةً ذات حضور في المسرح السياسي والاقتصادي العالَميَّيْن.

ويُؤكّد الكاتب على أنْ لا موقع متقدِّم يُمكنُ لدول الجنوب أن تحتلَّه، من دون الاعتماد على اقتصادٍ مُتطوِّر ينهض على البحث العلمي الرصين، الذي تُنجِزه الجامعات ومراكز الدراسات والبحث المحليَّة في الجنوب، والتي يُناط بها وضع تصوُّراتٍ علمية تتوقَّع ما سيكون عليه العالم في السنوات والعقود المقبلة. ويبرز كيف بدأت الجامعات في الجنوب تلعب دورها الريادي على شاكلة الجامعات في الغرب. ويُكرِّر حسين مجدوبي دعوتَه للقارئ والباحث والرأي العام، في بلدان الجنوب، إلى تبني رؤية جنوبية إلى الأحداث الدولية مستقلة عن رؤية الشمال الذي هو الغرب أساسا، يكون فيها للوعي الجنوبي استقلالٌ في النظرة، وتَماشٍ معَ الموقف المبدئي الباحث عن مكانة للجنوب بين دول العالم المتقدِّم، ولا يفتأ يستحضر السؤال الرئيس: كيف نرى نحنُ الجنوبيِّين الأحداث من الجنوب؟ وكيف ستستفيدُ منها أُمَمُنا؟ ومن ضمن المقترحات هو بناء رأي عام جنوبي ينطلق من مصالح الجنوب.
ويعترف الكاتِب بأن المَسِيرَ شاقٌّ وطويل، وأنه يتطلَّب من دُول الجنوب تلاحُما وتراصّاً ونفَساً طويلا، ويُعقَدُ الأمل في نظره لبلوغ هذا الهدف على الجامعات في الجنوب، التي شرَعَتْ منذ ثلاثة عقود، على الأقل، في تحقيق تراكُم معرفِيٍّ مهم، ولعل من أبرز نتائجه الإيجابية بدْءُ وسائل الإعلام في الجنوب في الترويج لما أصبح يُعرَف بالفكر الجنوبي، الذي لا يُغامر بوضعه لنفسِه بالضرورة في مواجهة مُباشرة مع الفكر الشمالي الغربي، تفادِيًا منه لأيِّ استفزاز مُحتَمَل لدُوَل الغرب، وإنما في سعيه إلى رفع منسوب الوعي بمصالح الذَّات الجنوبية الكبرى، وبمصيرها المُشترَك أيضا. ويرى المؤلِّف أن الفِكر الجنوبي مُلزَمٌ بألّا يقف عند هذه النقطة، بل هو مُطالَبٌ بأن يُنجز خطوة أخرى أكثر جرأةً في أفق بلوغ التَّحرر الفكري، وذلك بألَّا يقتصر على الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ، بل أن يُنادي بصياغة تاريخ وطني يبتعد عن كل نزوع شوفيني، ويُعيد النظر في استعمال مصطلحات فيها إحالة على الآخر الغربي، كترديد مصطلح «ما بعد الكولونيالية» أو «المستعمر والتابع»، ويحث على تداول تعابير هي مفاهيم مثل «ما بعد الاستقلال».

وانطلاقا من هذا الطّرح، يدعو المؤلِّفُ دُولَ الجنوب إلى عدم الانخراط في الحرب الباردة ومنها، الملف النووي بين الغرب وروسيا والصين، ويُطالبها بضرورة المطالبة بالحق في الحصول على الطاقة النووية السلمية لتحقيق نهضة اقتصادية، في ظل ارتفاع فاتورة النفط والغاز. ويبرز في هذا الملف كيف أن الغرب يرحم أمم الجنوب من الطاقة النووية، انطلاقا من مفاهيم الصراع الحضاري، بمعنى لتبقى هذه الدول متخلفة. ويقف المؤلِّف عند نقطة محورية، يعتبرها من ضمن العناصر الكفيلةِ بمنح الجنوبِ نهضةً جيوسياسية، وتتمثَّل في صناعة السلاح، الذي كان حكرا على الغرب والدول الكبرى. ويُشير في هذا السياق إلى القلق الواضح للغرب من التنامي المهم للصناعات الحربية المتقدمة في عدد من دول الجنوب، مِثل باكستان وتركيا وإيران، وما أبانتْ عنه من كفاءة ونجاعة، مُنبِّها إلى أنها تكنولوجيا تُعرَض بأثمنة، ودون شروط مقارَنَةً بما تَنهجُه دول الشمال الغربي. ويَضرب الباحثُ مثالا على ذلك بالتحوُّل الذي شهِدتْه الحرب الروسية ـ الأوكرانية، التي غدَتْ ميدان اختبارٍ فعليٍّ لهذا الجيل من الأسلحة؛ فهذه روسيا تستخدم طائرات مُسيّرةً إيرانية، في حين تعتمد أوكرانيا على المسيَّرات والقنابل التركية. ويُوضِّح الكاتبُ السبيل الذي ينهجُه الغرب في طريق سعْيِه لفرض نوعٍ من «الفيتو»، لقطع الطريق على أي مسعى من قِبَل دول الجنوب لأجل تطوير صناعاتها العسكرية، أو امتلاكِها للتكنولوجيا النووية، ويَعُدّ هذه السياسات تعبيرا عن صراع حضاري يهدف إلى تكريس التفوق الغربي الدائم، ولاسيما تجاه العالم الإسلامي. ويرى الكاتب أنَّ صراع الأقطاب بما يَعرِفُه من استقطاب، يلزم أن تستغلَّه دول الجنوب، فتُقرِّرَ التحرُّر عِلميّا واقتصاديا وسياديا من الاستمرار في الاصطفاف وراء القوى الكبرى، خصوصا أن عالمَنا يَعرِف انتقالا إلى التعددية القطبية، ما سيسمح لها – عَبْر تكتُّلاتها القارية والإقليمية – بالتحوُّل إلى قُطبٍ حقيقيٍّ في الخريطة الجيوسياسية العالمية، بل يرى – ضمن الخلاصات الرئيسَية الواردة في كتابه – أن التكامل والتنسيقَ، بين هذه التجمعات، هو الحل الأمثل لدول الجنوب، كي تضمن سيادتها ومشاركتها في صنع القرار الدولي.

وانسجاما مع مضمون عنوان الكتاب، يَحثّ الكاتب على ضرورة أن تنهض أمم الجنوب بالدراسات الجيوسياسية، وأن تضطلع الجامعات بهذا الدور الرائد، لأن الدراسات الجيوسياسية تحوَّلت إلى بوصلة حقيقية، بها تَهْتدي كل دولة وأمة ترغب في الرقي والتقدم، وفي حجز مكانة متميّزة أو رائدة في الخريطة العالمية. كما يبرز أن الدراسات الجيوسياسية مثل التاريخ تحتاج إلى رؤية وطنية تأخذ بعين الاعتبار مصالح الوطن والأمة والمحيط الإقليمي، لأن النظريات التي ينتجها الغرب في هذا المجال مرتبطة بمصالحه، وليس بمصالح الجنوب.

Sign In

Reset Your Password