سوء تقدير متبادل: ثقة طهران بالدفاعات الجوية وجهل البنتاغون بحجم ترسانة إيران الصاروخية

صورة مركبة للصواريخ الإيرانية والمقاتلات الأمريكية مع علم البلدين

دخلت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران الأسبوع الرابع، وهذا يعود الى صعوبة الحسم لاسيما من طرف واشنطن وإبداء الإيرانيين مقاومة عنيفة، ومع مرور هذه الفترة الزمنية، بدأت تظهر أخطاء ارتكبها هذا الطرف أو ذاك وهي المرتبطة بسوء التقدير للقدرة العسكرية ومنها الصواريخ التي تمتلكها طهران.

ومن الأخطاء التي يرددها الإعلام الدولي وعدد من المحللين هو سوء التقدير الذي ارتكبته الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية بأن اندلاع الحرب واغتيال القيادة السياسية والدينية والعسكرية والأمنية التي تقود إيران سيؤدي مباشرة الى اندلاع احتجاجات في الشارع الإيراني وإنهاء النظام الديني وبدء مرحلة جديدة يصبح فيها هذا البلد على شاكلة دول أخرى لا تعادي إسرائيل.

غير أن الأخطاء ذات التأثير الكبير في هذه الحرب هي التي تتعلق بالأخطاء العسكرية التي تكلف خسائر كبيرة وتطيل أمد الحرب. وتعتبر إيران الطرف الذي يتكبد خسائر كبيرة بشكل يومي نتيجة هيمنة سلاح الجو الأمريكي والإسرائيلي على الأجواء الإيرانية. وهذا ناتج عن سوء تقدير كبير من طرف الحرس الثوري والجيش الإيراني.

في هذا السياق، لا تمتلك إيران أنظمة دفاع جوي متطورة بالقدر الكافي، وقد أخطأت في التقدير حين اعتقدت أن الأنظمة التي طوّرتها محليا تضاهي مستوى الصواريخ الباليستية وفرط الصوتية التي أنتجتها. وبناء على ذلك، لم تسعَ إلى اقتناء منظومات دفاع جوي متقدمة من روسيا أو الصين، الأمر الذي أدى إلى فقدانها السيطرة على مجالها الجوي خلال هذه الحرب. ومن بين المعطيات التي استندت إليها إيران في بناء استراتيجيتها للدفاع الجوي، اعتقادها أن إسقاط الحوثيين للطائرة المسيّرة المتطورة MQ-9 عدة مرات خلال العامين الماضيين في باب المندب والبحر الأحمر، إضافة إلى إسقاط الحرس الثوري للطائرة الاستطلاعية فائقة التطور RQ-4 Global Hawk في نوفمبر 2019، يشكّل دليلا كافيا على متانة أنظمة الدفاع التي تمتلكها، وهي متنوعة مثل خرداد 3 الذي أسقط غلوبال هوك، وخرداد 15 ومرصاد وطلس وحرز 9 وتعتمد في المجمل على رادار غدير.

غير أن منظومة الدفاع الجوي الإيراني تعاني من التكامل بينها، ولم تأخذ بعين الاعتبار التطور التكنولوجي الكبير لمقاتلات إف 35 وكذلك إف 15 النسخة الجديدة، وهما المقاتلتان عماد الحملة الحالية. كما أنها تفتقد للإنذار المبكر، مما يجعلها عارية أمام المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية من آخر طراز.

وعلاقة بالجانب الإسرائيلي والأمريكي، فهو يتجلى في سوء تقدير كمية ونوعية الصواريخ التي لدى إيران. لقد نجحت إسرائيل والولايات المتحدة وباقي الدول الغربية في اختراق إيران وأساسا مراقبة المسؤولين مما سهل اغتيالهم، غير أن هذا الاختراق لم ينتقل الى معرفة دقيقة بحجم ونوعية ترسانة الصواريخ والمسيرات من نوع الشاهد 136، وخريطة انتشارها. ومما يؤكد هذا المعطى هو تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من أعضاء القيادة العسكرية في البنتاغون الذين رددوا منتصف الأسبوع الأول من الحرب بأنهم قضوا على 80% من ترسانة الصواريخ، علاوة على أن الجيش الإيراني فقد مقومات الاستمرار في الحرب. وكانت المفاجأة هو استمرار القصف بصواريخ متنوعة، ألحقت ضررا كبيرا بالقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، ودمرت خمس رادارات استراتيجية يتجاوز مبلغ واحد منها مليار ومائة مليون دولار. وتنهال الصواريخ والمسيرات على إسرائيل، وإذا كانت الخسائر متوسطة حتى الآن، إلا أنها تشل الحياة الاقتصادية والاجتماعية في الكيان بشكل كبير. ولعل المفاجأة الكبرى رغم عدم تأكيد الخبر، هو ما أوردته جريدة وول ستريت جورنال السبت من الأسبوع الجاري أنه جرى إطلاق صواريخ باليستية إيرانية على القاعدة البريطانية دييغو غارسيا في المحيط الهندي على بعد أربعة آلاف كلم.

بدون شك، بنى البنتاغون أو وزراة الحرب حسب التسمية الجديدة والقيادة العسكرية للكيان الاستراتيجية على حرب 12 يوما في يونيو الماضي، إذ اعتقد الخبراء أن تلك المواجهة كانت كافية لمعرفة نقط تخزين الصواريخ الإيرانية وتدميرها بالقنابل الضخمة GBU-57 بواسطة المقنبلة سبيريت ب 2. من جهة، وتطوير كيفية اعتراضها من طرف أنظمة الدفاع الجوي. وتبين خطأ هذا التقدير في هذه الحرب لأن الصواريخ تستمر وبإيقاع كبير، وكان المدير السابق للمخابرات الفرنسية آلان جوييه قد صرح منذ أسبوعين أنه من الصعوبة بمكان رصد الصواريخ الإيرانية بالكامل أن مساحة هذا البلد كبيرة جدا مليون و600 ألف كلم مربع مع سهول تركيب الصواريخ على ظهر شاحنات تتجول في مجموع البلاد. ويترتب عن سوء التقدير هذا تراجع مخزون الصواريخ التي تستعملها أنظمة الدفاع الجوي. وتنشر جريدة لوموند الفرنسية السبت من الأسبوع الجاري كيف أن “مستوى مخزون صواريخ الدفاع الجوي” اكتسبت أهمية كبرى كمعطى للتأثير في مسار الحرب خلال الأسابيع الكبيرة. لقد أدركت إيران أن كل مواجهة مع الولايات المتحدة ستكون مصرية، ولهذا جعلت من مخازن الصواريخ وقوتها وتنوعها الضامن للاستمرار.

هذه الأخطاء العسكرية هي التي تفسر حجم الخسائر التي تكبدها كل طرف، كما تفسر استمرار الحرب التي دخلت أسبوعها الرابع والمسار الذي بدأت تأخذه.

Sign In

Reset Your Password