خمسة كتب تقدم لك العلوم بطريقة مختلفة

كتاب

ما العلم؟ لا بد أن هذا السؤال قد جال بخاطرك يوما ما، خاصة إن كنت من هؤلاء المهتمين بمتابعة الإنجازات العلمية من حين لآخر، والقراءة عن الأمور العلمية المثيرة، مثل ما تعرضه النظرية النسبية من تمدد زمني وانكماش طولي وفرص للسفر عبر الزمن، أو ما تعرضه ميكانيكا الكم من أحجيات عجيبة لا يمكن فهمها، أو ما تقدمه العلوم العصبية والوراثية المعاصرة من أفكار تدفعنا للكثير من التأمل في طبيعتنا، وما نحن عليه. لكن في أثناء ذلك كله، لا بد وأنه كانت مشكلة بالفعل أن نفهم ما الذي يعنيه العلم نفسه؟ ما طريقته؟ وكيف يفكر العلماء من أجل تحقيق إنجازاتهم؟

في الواقع، فإن أفضل ما يمكن فعله للبدء مع محاولات جيدة للإجابة عن هذه الأسئلة هو القراءة في مجال فلسفة العلم، وكنّا في تقرير سابق بعنوان “خمسة كتب تقدم لك فلسفة العلم” قد عرضنا لمقدمات مهمة وممتعة في هذا النطاق، لكن على الرغم من ذلك فإن الكثيرين قد يجدون أنه من الممل، أو الصعب حقا، الخوض في ذلك النطاق، خاصة وأنه يتطلب مقدمات معقدة بعض الشيء، لهذا السبب قررنا أن يعتمد هذا التقرير على ثلاث قواعد.

الأولى، هي البساطة الشديدة، هذه الكتب التي سنعرضها هي في الغالب مجموعة من مقالات كاتبها والتي تقدم العلم في صورة سلسة للغاية للجمهور العام، في الغالب لن تواجه أي تعقيدات فلسفية ثقيلة في أثناء خوضك لتلك الكتب، أما القاعدة الثانية فهي حجم الكتاب، والذي تعمدنا أن يكون صغيرا بحيث لا يتسبب لك بالملل، والثالثة هي موضوع الكتاب، وهي أن يهدف كاتبه، من خلال الكتاب كاملا أو عدد من الفصول، إلى تعريف القارئ بالعلم نفسه، وليست فروعه أو موضوعاته.طبيعة العلم غير الطبيعية

حسنا، لنبدأ معا بما يظن كاتب التقرير أنه أحد أهم الكتب التي قدمت طبيعة العلم للعامة، وهو “طبيعة العلم غير الطبيعية” لمؤلفه لويس ولبرت، الأستاذ الفخري بقسم علم الأحياء الخلوي والنمائي في كلية لندن الجامعية، والذي يحاول فيه أن يوضح نقطتين أساسيتين، الأولى هي قدر اختلاف العلم عمّا نتصور أنه بديهي، والثانية هي أن العلم لا يحل كل المشكلات، ولا يمكنه توقع المستقبل بدقة.

التصورات الخاطئة عن هاتين النقطتين هي ما يدفع الناس إلى اتخاذ مواقف متناقضة من العلم، تتضمن مخاوفنا من هذا الشيء الغريب غير المفهوم والمرتبط بكوارث قد حدثت بالفعل مثل هيروشيما وناجازاكي، أو أخرى متوقعة كهواجس سيطرة الآلة وخلق وحوش بشرية عبر التكنولوجيا الحيوية وتقنيات كريسبر لتحرير الحمض النووي، يمتزج هذا الموقف مع شعور بالهيبة والثقة الشديدة تجاه العلم، فأنت مثلا تثق في أن ما يصفه لك الطبيب هو الدواء المناسب لك، رغم علمك أن ذلك القرص يحتوي على مادة كيميائية قد تكون قاتلة.

الكتاب بسيط، لغته سهلة وترجمته مناسبة، لكنه كان غريبا حقا أن يقول المترجم في مقدمته إنه سمح لنفسه بتعديل النص بما يتناسب مع “ثقافتنا القومية”!! يتنقل وولبرت في الكتاب بين مجموعة من الموضوعات المهمة المتعلقة بالعلم، على سبيل المثال يفرد فصلا كاملا لتوضيح أن التكنولوجيا ليست هي العلم، كذلك يخوض في موضوعات ذات علاقة بأخلاقية أفعال العلماء، والهجمات التي تعرض لها العلم في العقود السابقة على أثر تدخله في نطاقات لم يكن من المفترض أن تقع ضمن اهتماماته، كذلك يفرد فصلا مهما للتفريق بين ما هو علمي وما هو “علم زائف”، لينطلق من خلال هذا الفصل إلى دحض خرافات الأبراج أو الأطباق الطائرة أو غيرها، عبر الطريقة العلمية.رومانسية العلم

هذا كتاب بسيط للغاية، ذو ترجمة سلسة، مؤلفه -كارل ساجان- هو أحد أهم مبسّطي العلوم في القرن الفائت، كذلك فهو عالِم ثقيل له مجموعة من الإنجازات في مجاله، بالطبع نعرفه جميعا من السلسلة الأشهر في عالم الوثائقيات “كوسموس” (Cosmos)، وكتاباته الأكثر شهرة كذلك كـ “الأرض.. نقطة زرقاء باهتة”، الأخير هو كتاب رائع يمكن أن تجده بسهولة عبر بحث قصير على الإنترنت، وكان قد صدر قبل عدة عقود مترجما في سلسلة عالم المعرفة الكويتية.

يجمع “رومانسية العلم” 19 مقالة ومحاضرة لكارل ساجان، نصفها في علوم الفلك والفضاء والبحث عن كائنات أخرى غيرنا في هذا الكون الواسع، والنصف الآخر له علاقة بالطريقة العلمية، ما الذي تعنيه؟ وكيف نميز بين ما هو علمي وما هو غير علمي؟ لكن مقالات الكتاب كلها تحفز للاهتمام بالعلم وضرورة الإعلاء من شأنه في مجتمعاتنا ونبذ العلوم الزائفة، هذا هو شيء تلاحظه دائما في كتابات كارل ساجان، خاصة درجات الرومانسية الواسعة التي يقدم بها العلم للعامة، وهذا هو السبب في وجود كتابه بتلك القائمة القصيرة.

أسلوب ساجان ليس سهلا فقط، وإنما أيضا شائق، يدفعك إلى التهام المزيد من المعارف بنهم، والميزة الأكبر هي انفصال موضوعات كلٍّ من تلك الفصول التسعة عشرة عن بعضها البعض، فكلٌّ منها يناقش فكرة مختلفة، ما قد يسهّل عليك مهمة قراءة الكتاب، فهو غير مرتبط ببعضه البعض ويمكن أن تبدأ من أي مكان أو تنتهي في أي نقطة، سيبدو الأمر وكأنك تقرأ مقالا من مجلة، يمكن أن تنهي الكتاب -لهذا السبب- في أيام قليلة.من أين تأتي الأفكار الجيّدة؟

الآن دعنا ننتقل إلى مستوى آخر مختلف من الموضوعات. هذا الكتاب، لمؤلفه “ستيفن جونسون” أحد أشهر الكتّاب على مستوى العالم، لا يتحدث تحديدا في الطريقة العلمية، ولكنه يلفت الانتباه إلى نقطة غاية في الأهمية لها علاقة بالعلم قد تكون مفيدة لك فيما بعد، وهي طبيعة الابتكار في العلم، كيف يصل العلماء إلى أفكارهم العظيمة؟ وهل يمكن أن تكون هناك آلية محددة لذلك؟ في تلك النقطة دعنا نبدأ بلفت الانتباه إلى أحد أهم اقتباسات كارل بوبر من كتابه “أسطورة الإطار.. في دفاع عن العلم والعقلانية”:

“ينبغي أن يتضح أمامنا أنّ موضوعية التقدم العلمي وعقلانيته لا ترجعان إلى الموضوعية الشخصية وعقلانية العالِم. العلم العظيم والعلماء العظام شأنهم شأن الشعراء كثيرا ما يستلهمون حدسا غير عقلاني، وكذلك علماء الرياضيات العظام. وكما أشار “بوانكاريه وهادامارد”، قد يُكتشف البرهان الرياضي بمحاولات لا واعية، مسترشدة بإلهام ذي طبيعة جمالية حاسمة، بدلا من أن يُكتشف بتفكير عقلاني، هذا حق وعلى قدر من الأهمية. ولكن من الواضح أنه لا يُفضي بنا إلى نتيجة مؤداها أن البرهان الرياضي لا عقلاني”.

الكتاب بسيط، مليء بالحكايات الممتعة من سير العلماء والمبتكرين، يركز بالأساس على فكرة واحدة كان يرى أن لها دورا كبيرا في وصول العلماء إلى أفكارهم، وهي التواصل، كلما سمحت البيئة المحيطة بقدر واسع من تبادل المعارف العلمية مع الآخرين، كنت أكثر قربا للإنجاز الحقيقي، يضيف جونسون كذلك أن الأفكار الجيدة، في العلوم أو التكنولوجيا، لا تأتي فجأة وكأنها وحي من السماء، وإنما قد تأخذ سنوات كثيرة يساهم خلالها التواصل في دعمها وتقويتها.لماذا العلم؟

كإجابة لعنوانه، يهدف هذا الكتاب إلى تتبع تاريخ الرغبة البشرية في المعرفة، في فحص العالم من حولنا وفهمه عبر مراحل التاريخ المختلفة، بداية من اللحظات الأولى التي نظر فيها الإنسان إلى النجوم وربطها بحكايات العدل والخيانة والحب والكرامة والأخوة، وانتقل من أفريقيا لكي يتفحص كل العالم، وصولا إلى اللحظة الحالية التي امتلك العلم فيها درجات واسعة من القوة، هذا كتاب يقول إن الفضول المعرفي كان دائما جوهر الحياة.

الكتاب بسيط، قصير، فصوله سلسة ومدعمة بقدر كبير من الاقتباسات الممتعة والمهمة، أسلوب الكاتب شاعري بعض الشيء، مقبول لقارئ عادي وممكن الفهم، يتنقل في فصول الكتاب الثلاثة الرئيسية بين حكايات العلم مع مجموعة من كبار رجاله، داروين ومندل وباستير، وصولا إلى إنريكو فيرمي، من خلال تلك الحكايات عن طبائع الاكتشافات العلمية يصل الكاتب إلى الفصل الثالث الذي يتحدث عن العلم نفسه، الطريقة التي نحاول من خلالها أن نعرف، ونفهم، ونعتمد على النتائج، عبر فحص تاريخ الكيمياء الممتع، لحظة الانفصال عن السحر.

يفتح الكتاب الباب لفهم بسيط لمعنى العلم، لكن أهميته تنبع، بحد تعبير المترجم، د. أحمد شوقي، من حاجتنا إلى العلم في مجتمعاتنا، ليس فقط لأن العلم يوسع آفاقنا ويعطينا قدرة أفضل على التفكير بعقلانية، لكن لأنه روح العصر، منهج في فهم الواقع ودراسته يهدف إلى التدخل التجريبي من أجل التغيير، بل ويمتد الأمر إلى ما هو أعمق، حينما يكون العلم هو أداة لتحقيق ذواتنا، كأفراد، وكمجتمعات من جهات اقتصادية وسياسية وثقافية.العلم الزائف وادعاء الخوارق

يهدف كتابنا الأخير إلى تقصّي تاريخ ما نسميه “العلم الزائف” على مدى قرن مضى، وهو ادعاء نطاق ما أنه علمي لكنه في الحقيقة يشبه العلم فقط، الميزة الرئيسة للكتاب هي أن سميث تخصص عبر رسالة الدكتوراه الخاصة به في تلك النطاقات المتعلقة بالعلاجات بالتأمل، أو الطاقة، الطب التكميلي، الطب البديل، والباراسايكولوجي، إلخ.

في هذا الكتاب، سوف تتعرف بشكل عملي على الطريقة العلمية عبر مقارنتها بآليات أخرى غير علمية، خاصة وأن المؤلف يعطيك دليلا عمليا للتفكير النقدي، وكيفية فصل ما يُعد علما عما لا يُعد كذلك، وبذلك يمكن فقط أن تتعلم أدوات سميث وأسئلته كـ “أين المصادر؟”، “هل تستند الادعاءات إلى الملاحظة؟” و”ما البديل الممكن كتفسير؟”، إلخ، لكي تبدأ في التعامل مع الادعاءات من حولك، وما أكثرها على الإنترنت، بطريقة علمية.

أسلوب سميث سهل للغاية، يتعمد التبسيط، ويستخدم لغة يومية غير معقدة يمكن أن تقرأها في الصحيفة مثلا، كذلك يستخدم عددا كبيرا من الأشكال التوضيحية والمقارنات، ويستخدم دائما فكرة الخطوات (1، 2، 3، إلخ) لتحقيق بنية منطقية سليمة، والأهم من ذلك أنه يقسّم كتابه بشكل جيد يجذبك للاستمرار فيه، ورغم ضخامة الكتاب فإن سهولته ستساعدك على إتمامه بأسرع وقت ممكن مقارنة بسابقيه.إضافات ممتعة

في تلك النقطة من حديثنا، نكون وصلنا لنهاية قائمة الكتب التي تتحدث عن العلم، لكن دعنا نُضف كتابين يمكن أن يحققا فائدة واسعة في هذا النطاق، الأول شبيه بسابقه، فهو يعرض للحقيقة والأكاذيب في قضايا الصحة العامة، لكن ليس من وجهة نظر العلم الزائف، بل يناقش بأسلوب مبسط، وعميق في الوقت نفسه، ما يحدث حينما يصطدم العلم بالسياسة، أيهما يلوي عنق الآخر؟ وكيف أن تسييس العلم خطر شديد؟ يفتح الكتاب عينيك على طبيعة أخرى مختلفة للعلم، الكتاب هو “الحقيقة والأكاذيب في قضايا الصحة العامة” من تأليف ماديلون لوبين فينكل، أستاذة الصحة العامة في جامعة كورنل.

أما الكتاب الأخير، فهو “طبيعة القانون الفيزيائي” لريتشارد فاينمان، لم نضفه للقائمة لأنه غير متوفر بعد باللغة العربية (رغم أنه قد تُرجم من قبل)، كذلك فإنه يختص تحديدا بنطاق الفيزياء على عكس الهدف العام من تقريرنا. في هذا الكتاب يقدم فاينمان، بأسلوبه الممتع والبسيط، عرضا ممتعا للفيزياء، ما تعنيه في جوهرها، حيث يتخذ من قانون الجذب مقدمة ممتعة لشرح الكيفية التي يتنقل بها العلماء من نظرية إلى أخرى، ثم يوضح الفارق بين الرياضيات والفيزياء، ثم ينتقل إلى شرح فكرة التناظر أو التماثل كإحدى قواعد هذا العلم، وأخيرا يتحدث عن الكيفية التي يبحث بها العلماء عن قوانين جديدة. الكتاب هو تفريغ لسبع محاضرات ألقاها فاينمان في جامعة كورنل يمكن أن تشاهدها على يوتيوب بسهولة، تم تجميعها من هذا الرابط.

حسنا، دعنا في النهاية نوضح أن الحديث عن العلم هو مهمة صعبة، صعبة للغاية، وكل ما ستراه في صفحات تلك الكتب هو توجهات تحاول أن ترى الطريق الذي يمشي عليه العلم، لكنها ليست إجابات نهائية. لنأخذ مثالا، كان فاينمان، على سبيل المثال، يرى أنه لا يمكن بسهولة فهم الطريقة العلمية، لأنها -ببساطة- هي ممارسة العلم، بمعنى أن طلبة العلم أنفسهم لا يعرفون ما العلم، وكذلك معلموهم، ومراجعهم نفسها، كل هذا هو نقاش حول العلم، أما طبيعة العلم نفسه فهو أمر آخر، أما بيتر مدوّر فكان يرى أن الأبحاث العلمية تخدع الجمهور، ليس لأنها خاطئة، ولكن لأنها تقدم العلم في صورة منظمة وكأنه نطاق واحد واضح، وهذا -بحد تعبيره- ليس صحيحا.

Sign In

Reset Your Password