في سياق دولي يتسم بتفاقم حالة عدم اليقين وتزايد تشابك الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية والبيئية، يبرز المغرب ضمن خريطة المخاطر العالمية كما وردت في تقرير المخاطر العالمية لسنة 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بوصفه بلدا يواجه تحديات داخلية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يتحرك داخل بيئة إقليمية ودولية مضطربة تضغط على مساراته التنموية والاقتصادية والاجتماعية.
أهم ما يخص المغرب في هذا التقرير يتمثل في تصنيف المخاطر الأكثر إلحاحا من وجهة نظر الفاعلين الاقتصاديين وصناع القرار، حيث تشير نتائج استطلاع الرأي التنفيذي الذي أنجزه المنتدى الاقتصادي العالمي بشراكة مع مؤسسات وطنية ودولية إلى أن المخاطر الاقتصادية المرتبطة بتباطؤ النمو وارتفاع كلفة المعيشة والضغط على المالية العمومية تشكل التهديد الأكبر على المدى القصير بالنسبة للمغرب، وهو ما يضع المملكة في قلب التفاعلات العالمية التي أعقبت سنوات من الصدمات المتتالية، بدءا من جائحة كوفيد19، مرورا بالحرب في أوكرانيا، وصولا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد والتقلبات الحادة في أسواق الطاقة والغذاء.
ويكشف التقرير، الذي يستند إلى آراء أكثر من 1800 خبير وصانع قرار واقتصادي من مختلف أنحاء العالم، أن المغرب، على غرار عدد من الاقتصادات الناشئة والمتوسطة الدخل، يتأثر بشكل مباشر بتداعيات الانكماش الاقتصادي العالمي المتوقع خلال السنوات القليلة المقبلة، حيث يتوقع التقرير أن يشهد الاقتصاد العالمي نموا ضعيفا يناهز 2.7 في المائة خلال سنة 2026، مقارنة بمعدلات أعلى كانت سائدة قبل سنة 2020، وذلك حسب معطيات التقرير الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي أكد أن هذا التباطؤ ينعكس بشكل أكثر حدة على الدول المستوردة للطاقة والغذاء، ومن ضمنها المغرب.
كما يضع التقرير المخاطر الاقتصادية، وعلى رأسها التضخم وارتفاع الدين العمومي، ضمن أهم التهديدات التي تواجه المغرب على المدى القريب، حيث أشار التقرير إلى أن التضخم العالمي، رغم تراجعه النسبي مقارنة بذروته المسجلة في سنة 2022، لا يزال عند مستويات تفوق المتوسطات التاريخية، وهو ما يفرض ضغوطا مباشرة على القدرة الشرائية للأسر المغربية، خصوصا في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية الأساسية. ويأتي ذلك في سياق إقليمي يتسم باضطرابات مناخية حادة في منطقة شمال إفريقيا، حيث سجل المغرب خلال السنوات الأخيرة موجات جفاف متتالية أثرت بشكل مباشر على الإنتاج الفلاحي، وهو ما أشار إليه التقرير ضمن خانة المخاطر البيئية ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي المتزايد.
ويؤكد التقرير أن المخاطر المناخية لم تعد تهديدا بعيدا أو مؤجلا، بل أصبحت واقعا ملموسا يفرض نفسه بقوة على الدول، ومن بينها المغرب، الذي صنف ضمن الدول المعرضة لمخاطر ندرة المياه وتراجع الموارد الطبيعية. ويشير التقرير إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعد من أكثر مناطق العالم هشاشة أمام التغير المناخي، حيث يتوقع أن ترتفع درجات الحرارة بمعدل يفوق المتوسط العالمي، مع انخفاض حاد في التساقطات المطرية، وهو ما يفاقم التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. وبحسب التقرير ذاته، فإن هذه المخاطر البيئية تتقاطع مع مخاطر اجتماعية، أبرزها اتساع الفوارق الاجتماعية وارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب.
ومن الناحية الجيوسياسية، يضع التقرير المغرب داخل محيط إقليمي ودولي يشهد تصاعدا في حدة التوترات، سواء على مستوى الصراع الروسي الأوكراني الذي دخل عامه الرابع، أو التوترات المتزايدة في الشرق الأوسط، إضافة إلى التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية الصين الشعبية. ويشير التقرير إلى أن هذه التوترات تؤثر بشكل غير مباشر على المغرب من خلال تقلبات أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد، وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في بعض الفترات. ووفق المعطيات الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن أكثر من 45 في المائة من الخبراء المشاركين يتوقعون استمرار حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي خلال السنوات العشر المقبلة، وهو ما يضع ضغوطا إضافية على الاقتصادات المنفتحة مثل الاقتصاد المغربي.
وفي هذا السياق، يبرز المغرب كبلد يسعى إلى تعزيز موقعه داخل سلاسل القيمة العالمية، خاصة في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة، غير أن التقرير يحذر من أن تسارع التحولات التكنولوجية، خصوصا في مجال الذكاء الاصطناعي، قد يشكل سيفا ذا حدين. فمن جهة، يتيح هذا التحول فرصا كبيرة لرفع الإنتاجية وتحسين الخدمات، ومن جهة أخرى، يحمل مخاطر تتعلق بفقدان الوظائف التقليدية واتساع فجوة المهارات. كما يشير التقرير إلى أن ما يقارب 23 في المائة من الوظائف الحالية عالميا قد تتعرض لتحولات جوهرية خلال العقد المقبل بفعل الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وهو ما يفرض على دول مثل المغرب الاستثمار بشكل مكثف في التعليم والتكوين المستمر.
كما يسلط التقرير الضوء على المخاطر الاجتماعية المرتبطة بتآكل الثقة في المؤسسات، وانتشار الأخبار المضللة، وهو ما اعتبره التقرير من بين أبرز المخاطر العالمية قصيرة الأمد. ويشير التقرير إلى أن انتشار المعلومات الزائفة عبر المنصات الرقمية بات يشكل تهديدا للاستقرار الاجتماعي والسياسي، خاصة في الدول التي تشهد تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة. وفي هذا الإطار، يضع التقرير المغرب ضمن الفضاء الرقمي العالمي المتأثر بهذه الظاهرة، مع التأكيد على أهمية تعزيز الحكامة الرقمية وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وعلى المستوى الإقليمي، يربط التقرير بين وضع المغرب ووضعية شمال إفريقيا ككل، حيث أشار إلى أن المنطقة تواجه مزيجا معقدا من المخاطر الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، في ظل نمو سكاني متسارع وضغوط متزايدة على الموارد الطبيعية. ويؤكد الخبراء أن التعاون الإقليمي يظل محدودا مقارنة بحجم التحديات المشتركة، وهو ما يقلل من قدرة دول المنطقة، بما فيها المغرب، على مواجهة الصدمات الخارجية بشكل جماعي. وبحسب المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي يمكن أن يساهم في رفع معدل النمو في المنطقة بنقطتين مئويتين على المدى المتوسط.
ولا يغفل التقرير الإشارة إلى الفرص المتاحة أمام المغرب في ظل هذا المشهد المعقد، حيث يعتبر أن الاستقرار السياسي النسبي الذي تتمتع به المملكة يشكل رصيدا مهما في جذب الاستثمارات، خاصة في ظل سعي عدد من الشركات العالمية إلى تنويع مواقع الإنتاج وتقليل الاعتماد على مناطق جغرافية واحدة. ويشير الخبراء إلى أن توجه المغرب نحو الطاقات المتجددة، خصوصا الطاقة الشمسية والريحية، ينسجم مع التحولات العالمية الرامية إلى تقليص الانبعاثات الكربونية، وهو ما قد يمنح المملكة موقعا استراتيجيا في الاقتصاد الأخضر العالمي.
