في تطور مثير وخطير للغاية، شنت الولايات المتحدة هجمات عسكرية ضد فنزويلا واعتقلت الرئيس نيكولا مادورو فجر السبت في تكرار لسيناريو اعتقال الرئيس البنمي نورييغا، وهذا يعني منعطفا في معالجة واشنطن لشؤون أمريكا اللاتينية بتطبيق عقيدة مونرو عسكريا. ويبقى التساؤل، هل الدولة المقبلة هي كوبا أو نيكاراغوا؟
وقائع تدخل عسكري معلن
ومنذ عودته الى البيت الأبيض، صمم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إكمال المخطط الذي بدأه في ولايته الأولى 2017-2021 بإسقاط النظام اليساري في فنزويلا. وإذا كان في المرحلة الأولى قد اعتمد الضغوطات الدبلوماسية ومنها تأييد خوان غوايدو رئيسا مؤقتا لفنزويلا، فهذه المرة انتقلت الى العمل العسكري الذي انتهى باعتقال الرئيس مادورو فجر السبت 3 يناير الجاري. ومرت العملية عبر المراحل التالية: في نهاية أغسطس/آب 2025، زادت الولايات المتحدة بشكل ملحوظ من وجود قواتها البحرية في جنوب البحر الكاريبي، وقدمت العملية على أنها حملة ضد تهريب المخدرات بالقرب من السواحل الفنزويلية أمرت حكومة ترامب القوات المسلحة باستخدام القوة العسكرية ضد عصابات معينة في أمريكا اللاتينية، وربطت هذه العمليات بشكل صريح بجماعات تعمل من داخل فنزويلا أو بالقرب منها.
منذ بداية سبتمبر الماضي، سُجلت هجمات على زوارق وسفن في منطقة البحر الكاريبي وصفتها واشنطن بأنها ”زوارق مخدرات“ مرتبطة بالنظام الحاكم مما أدى إلى تدمير عشرات السفن ومقتل أكثر من مائة شخص بحلول نهاية سنة 2025. وفي مرحلة أخرى، وبالضبط في 24 أكتوبر 2025، نشر البنتاغون حاملة الطائرات USS Gerald Ford في منطقة البحر الكاريبي، مما زاد بشكل كبير من الضغط العسكري بالقرب من فنزويلا وأكد على مرحلة عسكرية مقبلة. وبهذا، استكمل البنتاغون أكبر تواجد عسكري له في أمريكا اللاتينية ليس منذ عقود فقط بل لأول مرة في تاريخه منذ حرب كوبا سنة 1898 ضد إسبانيا.
بالموازاة مع الضغط العسكري، كثفت الولايات المتحدة العقوبات المالية والنفطية، حيث تحظر السفن والشركات المرتبطة بتجارة النفط الفنزويلي وتعلن أنها ستفرض عقوبات ”قصوى“ لقطع مصدر الدخل الرئيسي لحكومة مادورو.
ووسط كل هذه التطورات، قطعت الولايات المتحدة العلاقات الدبلوماسية مع فنزويلا، كما أعلنت الرئيس الفنزويلي “مهربا للمخدرات” يجب اعتقاله ومحاكمته، وأعلنت أنها مصممة على الإطاحة بالنظام اليساري الحاكم في فنزويلا. وخلال نهاية نوفمبر الماضي، أوردت الصحف الأمريكية ومنها نيويورك تايمز كيف عرض الرئيس دونالد ترامب، عبر القنوات الدبلوماسية، على نيكولاس مادورو خيار اللجوء إلى روسيا أو أي دولة أخرى لتجنب تصعيد التدخل العسكري والاقتصادي الأمريكي في فنزويلا. وأكد السيناتور الجمهوري ماركواين مولين هذا الاقتراح في مقابلة مع شبكة CNN، واصفاً إياه بأنه ضغط من أجل انتقال سياسي في الوقت الذي كانت فيه الهجمات على قوارب المخدرات في البحر الكاريبي تتصاعد. رفض مادورو العرض، واستمرت التوترات في التصاعد.
اعتقال مادورو وتكرار سيناريو نورييغا
وعمليا، فجر السبت 3 يناير 2026، وفي تكرار لسيناريو اعتقال الرئيس البنمي أنتونيو نورييغا سنة 1989 الذي اتهمته وقتها بتهريب المخدرات، نجحت القوات الأمريكية الخاصة المعروفة باسم “دلتا” في اقتحام القصر الرئاسي في العاصمة كاراكاس واعتقال الرئيس مادورو وزوجته، حسبما أعلن الرئيس ترامب نفسه في مواقع التواصل الاجتماعي خاصة “موقع ثروت” الذي يمتلكه. وجاء تطبيق اعتقال الرئيس مادورو في تطبيق لتصور تؤمن به القوات العسكرية الأمريكية وهو أن اعتقال أو اغتيال المسؤول الأول في البلاد في اليوم الأول للحرب يعني ربح الحرب مسبقا. وهو ما حاولت تطبيقه في حرب العراق عندما نفذت يوم 20 مارس 2003، في اليوم الأول من الهجوم على العراق هجمات لاغتيال الرئيس صدام حسين.
وجرى تنفيذ عملية اعتقال مادورو من طرف قوات النخبة العسكرية دلتا عبر عملية عسكرية انتقائية بالتشويش على الاتصالات في البلاد ثم ضرب ثكنات عسكرية في العاصمة والهجوم على القصر الرئاسي ثم الهجوم على مطار خاص في العاصمة لمنع هروب المسؤولين. وهذه العملية العسكرية جعلت القوات الفنزويلية غير قادرة على رد الفعل لأنها لم تكن تواجه هجوما منظما واسعا بل هجمات انتقائية على شكل حرب العصابات، حيث تجد الجيوش النظامية صعوبة كبيرة في مواجهتها، كما واجهت القصف من بعيد عبر الصواريخ انطلاقا من سفن في الكاريبي. وقد تكشف الأيام المقبلة هل تعرض مادورو لخيانة من طرف مساعديه وخاصة فريق الحراسة الشخصي أم إهمال من هذا الغلفريق.
ويبقى المثير أن تنفيذ العملية العسكرية جاءت في وقت كان ترامب يستبعد التدخل العسكري ويلمح الى الاكتفاء بالحصار الاقتصادي والدبلوماسي. لكنه، كما فعل في حالة إيران، شن هجوما مباغتا لجعل الطرف الآخر بدون رد فعل قوي.
ومن خلال هذه العملية العسكرية، تكون الولايات المتحدة قد حققت هدفين، الأول وهو عدم التورط في حرب مباشرة مع الجيش الفنزويلي ستكون مكلفة بحكم وجود جيش منظم ومليشيات مسلحة معادية لواشنطن منتشرة في مجموع البلاد، والهدف الثاني هو خلق واقع جديد في فنزويلا، حيث ستجد الطبقة السياسية والعسكرية والأمنية نفسها أمام وضع جديد يتطلب الحوار بين جميع الأطراف من سلطة متبقية ومعارضة للاتفاق بشأن كيفية الخروج من هذا المأزق. وتدعو القيادة السياسية والعسكرية في فنزويلا الى المقاومة، لكن البلاد أصبحت أمام واقع جديد خاصة في غياب دعم روسي وصيني مباشر وعدم تنديد الاتحاد الأوروبي بالتدخل بل الدعوة الى الحديث عن الاستقرار.
الأسباب الجيوسياسية
يوجد اتفاق بين مختلف المحللين بما في ذلك في الولايات المتحدة أن حديث البيت الأبيض uk محاربة محاربة المخدرات القادمة من فنزويلا ما هي إلا مبرر لتطبيق مخطط جيوسياسي أكبر وأشمل يجب فهمه في إطار حرب النفوذ بين الولايات المتحدة والصين. وعليه، وكما استعرضت القدس العربي في مقال سابق بعنوان “كيف تراهن واشنطن على الضغط العسكري إبعاد فنزويلا عن الصين” يوم 4 أكتوبر الماضين، إن “مقاربة واشنطن لفنزويلا ينبغي أن تفهم ضمن سياق التحولات الجيوسياسية العميقة التي يشهدها النظام الدولي مع تبلور تعددية الأقطاب، حيث يجري توزيع مناطق النفوذ بين الشرق والغرب. ففي هذه الخريطة الجديدة، تصبح الدول الواقعة في المجال الغربي، حتى وإن لم تكن غربية بالمعنى الحضاري أو السياسي، مندرجة في دائرة الغرب، بينما تلحق الدول الواقعة في الشرق بالمجال الشرقي. وفي هذا الإطار يسعى الغرب إلى استعادة السيطرة على الدول المطلة على ضفتي الأطلسي والقارة الأمريكية، ومنع أي حضور روسي أو صيني فيها”.
ولتنفيذ هذا الأمر، قررت إدارة الرئيس ترامب القضاء على نظام مادورو بعدما تأكدت من غياب أي انفتاح سياسي أو التخلي عن السلطة، فهي تعتبره مصدرا رئيسيا لبعض المشاكل الاقليمية لتمويله حركات يسارية، ويسعى الى منح مزيد من الامتيازات للصين وروسيا سواء على المستوى الاقتصادي أو العسكري. ويكفي أن المقاتلات الاستراتيجية الروسية من نوع تو 160 توقفت في مطارات فنزويلا في عدد من المناسبات. وتحولت موانئ هذا البلد إلى محطة لرسو السفن العسكرية الصينية والروسية بل حتى الإيرانية أحيانا. كما ترى واشنطن بعين القلق التعاون العسكري الإيراني-الفنزويلي في مجال الطائرات المسيرة.
يضاف الى هذا أن فنزويلا تتوفر على احتياطي كبير من النفط على المستوى العالمي. وقد استثمرت الصين كثيرا في النفط الفنزويلي. وفي ظل الحرب القائمة بين الولايات المتحدة والصين لريادة وزعامة العالم خلال العقود المقبلة، تريد واشنطن حرمان بكين من مصدر هام للطاقة ويتعلق الأمر بالنفط الفنزويلي، وحرمانها من التمركز في هذا البلد حتى لا تقوي نفوذها في مجموع أمريكا اللاتينية.
ومن خلال متابعة استراتيجية البيت الأبيض تجاه أمريكا اللاتينية منذ أزمة كوبا في بداية الستينات، يتضح أن جميع رؤساء البيت الأبيض عملوا على الحفاظ على نفوذ واشنطن في المنطقة وأحيانا عبر دعم الانقلابات كما حدث في الشيلي سنة 1973. وجاء ترامب ليرفع سقف التدخل ويجعله عسكريا مباشرا في فنزويلا كما وقع في بنما سنة 1989 إبان رئاسة جورج بوش الأب. وبهذا، تكون واشنطن قد استعادت عقيدة عقيدة مونرو التي تعود إلى عشرينيات القرن التاسع عشر وهي أمريكا للأمريكيين، ليس فقط على المستوى الاقتصادي والدبلوماسي بل عسكرة هذه العقيدة في القرن الواحد والعشرين.
على من الدور مستقبلا؟
يدفع التدخل العسكري في فنزويلا الى التساؤل عن من هي الدول المرشحة التي قد تتعرض لتدخل عسكري من طرف الولايات المتحدة. في هذا الصدد، ووفق استراتيجية الأمن الأمن القومي الأمريكي التي كشفت عنها إدارة الرئيس ترامب نهاية نوفمبر الماضي، أنه بعد القضاء على نظام الرئيس مادورو في فنزويلا واستقرار البلاد فإن الأنظمة اليسارية الأكثر عرضة لـ ”تأثير الدومينو“ المحتمل تشمل نيكاراغوا وكوبا. وكان وزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو قد أكد في تصريحات سابقة أن سقوط مادورو هو مقدمة للضغط على دانيال أورتيغا في نيكاراغوا والنظام الكوبي.
