إشكالية العلاقة الجيوسياسية بين الجنوب وفرنسا/د. حسين مجدوبي

الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون

تربط فرنسا علاقات معقدة مع دول الجنوب بسبب ماضيها الاستعماري. فقد كانت، إلى جانب بريطانيا، الدولتين اللتين احتلتا أكبر الأراضي في الجنوب، في أفريقيا وآسيا. تلخص أو تعكس عبارات ”أفريقيا الفرنسية“ أو ”فرنسا الأفريقية“ هذه العلاقة المعقدة، لدرجة أنه من المستحيل فهم تاريخ فرنسا من القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا دون الأخذ في الاعتبار تأثير هذا الإرث الاستعماري البشع جدا في بعض الفترات.

إذا وضعنا جانبا التاريخ الاستعماري وقمنا بالتركيز على الزمن الحالي، فإن العلاقات بين فرنسا وأمم الجنوب، ولا سيما مع إفريقيا، اتسمت بتوترات شديدة خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، ولم تنجح باريس في إقامة علاقات مستقرة مع الجنوب. ويمكن تفسير هذا بعدة عوامل. أولا، يمثل الجنوب تحدياً لثلاث مدارس سياسية تعاقبت على الإليزيه خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين: المدرسة الديغولية، ممثلة برئاسة جاك شيراك، التي حاولت التعامل مع الجنوب، بنضج. ثم المدرسة الميترانية، ممثلة بالرئيس فرانسوا هولاند، المتذبذب في التعامل مع القضايا الشائكة مع الجنوب. وأخيرا، مدرستان بدون جذور سياسية واضحة، مع الرئيس نيكولا ساركوزي، الذي فقدت باريس في عهده بوصلتها الجيوسياسية باتباعها سياسة واشنطن بدلاً من المراهنة على الاستقلالية. وأخيراً، فترة الرئيس إيمانويل ماكرون، الذي افتقر إلى الاستقرار السياسي في البرلمان ولم يقدم إجابات للتحديات الجيوسياسية في الجنوب.

في الوقت ذاته، تزامن فقدان فرنسا لبوصلتها الجيوسياسية في القضايا الدولية مع صحوة دول الجنوب وتطلعها إلى استقلالية معينة في مجالات مختلفة، لا سيما السياسة الخارجية والدفاع وحقها في تنويع شركائها الدوليين. لم تدرك باريس هذه المعطى  الجديد، وأقنعت نفسها بسيطرتها الأبدية على مستعمراتها السابقة واعتبرت أن هذه الأمم  لا يجب أن تبحث عن شركاء آخرين على قدم المساواة مع فرنسا، أو حتى شركاء قد يحلون محلها.

وتزامنت كل هذه التطورات الدولية مع ظهور طبقة من المثقفين والسياسيين ونشطاء المجتمع المدني في الجنوب يطالبون الغرب بالاعتراف بالجرائم التي ارتكبت خلال الفترة الاستعمارية والتعويض عنها. وينصب التركيز بشكل خاص على فرنسا، حيث اعتمد البرلمان الجزائري، قانوناً يعلن أن الاستعمار الفرنسي في الجزائر (1830-1962) جريمة دولة. وتتفاجأ فرنسا أن أزمة مع دولة تصبح مثل تأثير دومينو وتتحول إلى أزمة مع مجموعة إقليمية كاملة، كما حدث مع بلدان الساحل الإفريقي التي ثارت ضد باريس بين عامي 2022 و2025 وطردتها من عدد من القطاعات ومنها التنسيق العسكري. ولم تنجح فرنسا  في التوفيق بين رؤيتها الخاصة ومواقف الاتحاد الأوروبي. على عكس لندن، التي حافظت دائمًا على سياسة خارجية مستقلة وعززت هذه الاستقلالية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي “البريكسيت”. يمكن أن نستشهد هنا بمسؤولين فرنسيين لديهم رؤية عميقة  للأحداث الدولية والسياسة الفرنسية لشرح هذا الفشل. يتعلق الأمر بآلان جوييه، المدير السابق للاستخبارات الخارجية الفرنسية الذي  يشدد على أن فرنسا أساءت إدارة علاقاتها مع البلدان الأفريقية وأنها تدفع ثمن ذلك اليوم. ويرى أن القادة الفرنسيين افتقروا إلى الرؤية الاستراتيجية ولم يتمكنوا من التكيف مع التطورات السياسية والاجتماعية في القارة.

لا توجد أي وثائق فرنسية مفصلة، سواء صادرة عن الرئاسة أو وزارة الخارجية، تتناول علاقات فرنسا مع أمم الجنوب. لم يعد الفكر السياسي الفرنسي ينتج أفكارا كبرى لوضع خارطة طريق واضحة. هناك بالتأكيد وثائق عن علاقات فرنسا مع بعض المناطق الجغرافية، مثل منطقة المحيط الهندي والهادئ وشمال إفريقيا والساحل أو دول جنوب شرق آسيا، ولكن لا توجد خارطة طريق للتعامل الشامل مع الجنوب. ومع ذلك، نجد بعض الأفكار المثيرة للاهتمام لدى دومينيك دو فيلبان، السياسي والمفكر المخضرم، الذي شغل منصب وزير الخارجية ورئيس الوزراء، والذي يُعتبر أحد آخر حكماء السياسة الفرنسية، يقول أن الجنوب ليس “معسكرا يجب الانضمام إليه في منطق الكتل، بل هو مجموعة من البلدان الحليفة المحتملة للدفاع عن القانون الدولي وسيادة الدول ونظام متعدد الأطراف أكثر توازنا”. وفي رؤية أوسع، يبرز إذا استمرت أوروبا في التوافق مع منطق القوة الأمريكية بدافع الخوف، فستفقد فرصة بناء قطب للاستقرار والتوازن مع الجنوب في مواجهة الصراع بين الولايات المتحدة والصين. ويصر على أن فرنسا وأوروبا يجب أن ”تؤكدان مع دول الجنوب العالمي التزامهما بمبادئ القانون الدولي، وفي المقام الأول بسيادة الدول والأمن الجماعي”.

وعلى الرغم من ماضيها الاستعماري، تظل فرنسا لاعباً مركزياً في صنع القرار الدولي ومن أهم المخاطبين للجنوب، بفضل حقها في النقض في مجلس الأمن، وقوتها النووية، ودورها المحرك في المبادرات السياسية للاتحاد الأوروبي خاصة في الاتحاد الأوروبي بسبب قربها من البحر المتوسط وعلاقاتها الاقتصادية مع الجنوب، أكثر من أي دولة أخرى، بما في ذلك ألمانيا. ويرى آلان جوييه أنه “من الممكن بناء علاقات قوية مع الجنوب من أجل التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب وإقامة شراكة استراتيجية، خاصة وأن فرنسا لم تعد قادرة لوحدها على اتخاذ قرارات مهمة، حتى لو احتفظت ببعض الاستقلالية في بعض الملفات”.

وبالتالي، تنسيق أعمق بين الجنوب وفرنسا، يتطلب توصل باريس إلى نوع من التفاهم مع المستعمرات السابقة من أجل تعويضها  عبر  الاعتراف بجرائم الاستعمار والنهب التي رافقته. فبدون ذلك، ستظل علاقات باريس مع البلدان الأفريقية، بشكل أساسي، صعبة وشائكة. ثم يجب على فرنسا التخلي عن سياسة الوصاية على بعض مستعمراتها السابقة، لا سيما في أفريقيا، واعتبارها جزءاً مهماً من الجنوب. هذا التنسيق مع الجنوب سيعزز سياسة الدول أو التجمعات الإقليمية المؤيدة لعالم متعدد الأقطاب. في الوقت الذي ينقسم فيه الغرب بسبب سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتلاشى الوحدة التي ميزته منذ الحرب العالمية الثانية، يمكن لفرنسا أن تقود الجزء الآخر من الغرب، أي الأوروبي، في حواره مع الجنوب خاصة الإفريقي. ولفرنسا تجربة أولية بحكم أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك كان أهم محرك لقمة الاتحاد الأوروبي-الاتحاد الإفريقي سنة 2000 في القاهرة، والرئيس الأوروبي الوحيد الذي حضر القمة ودافع عن تنسيق بين الطرفين في المنتديات الدولية من أجل عالم متعدد الأقطاب.

Sign In

Reset Your Password