نافي رادجو: يجب على المجموعات المالية الكبيرة إنشاء نماذج اقتصادية جديدة مقتصدة

تريبين الفرنسية

حوار موسع : بعد نجاح كتاب« L’Innovation Jugaad »,   يصدر الباحث نافي رادجو بشراكة مع جايديب برابهو كتاب ” دليل الإبداع المقتصد” وهو كتبا بيداغوجي يدافع عن فكرة الاقتصاد الذي يأخذ في الاعتبار القيم الإيكولوجية والاجتماعية التي بدأت تغزو عالم الشركات وستكون مصدر تحولات كبرى في النماذج الاقتصادية السائدة

سؤال: ما معنى الابتكار المقتصد أو الشحيح ؟

نافي رادجو: لاستيعاب المفهوم ، يجب أخذ بعديْن في الاعتبار. الأول هو جعل الحلول المبتكرة أكثر تكلفه بالنسبة للناس ، وخاصه في الاقتصادات الناشئة ، مع السعي في الوقت نفسه إلى الإدماج الاجتماعي. علي سبيل المثال ، من خلال توفير الأجهزة الطبية أو نماذج السيارات التي تكون أرخص بكثير من مثيلاتها في الغرب. يجب ان يكون المنتوج بأسعار معقولة ومقبولة، علي عكس ما تفعله شركة آبل Apple ، التي تلبي منتجاتها فقط حاجيات 5 ٪ من السكان الأكثر ثراء في العالم.

والبعد الثاني هو الطريقة التي نبتكر بها ، أي بدون وجود موارد بحثية وإنمائية  هامة ومراكز بحوث للمستهلكين المصنفين علي انهم فقراء ، الذين يجب ان يكونوا قادرين علي الاستفادة من الإنترنت دون انتظار الجيل الخامس  5G  وهذا ممكن لأنه علي الرغم من800 مليار دولار  تنفق سنويا على البحث والتطوير فقد أظهرت الدراسات علي مدي السنوات العشر الماضية أنه لا يوجد ارتباط  أكيد بين هذه المبالغ ونوعية الابتكارات . وعلاوة علي ذلك ، وبفضل الإنترنت والشبكات الاجتماعية والعقلية الجديدة للأجيال الشابة ، أصبح مفهوم الإبداع والابتكار أكثر ديمقراطية. هناك مثلا منصات التعاون  علي الإنترنت التي تمكن من الابتكار الرخيص الكلفة  وهو واجب أخلاقي بالنظر إلى تنامي الاحتياجات الملحة. يجب ان تتوفر المجموعات الصناعية  الكبيرة على فضيلة التواضع ، علي الأقل الفكري ليس فقط من أجل التكيف ولكن لخلق نماذج اقتصاديه مقتصِدة جديدة.

سؤال: تقولون إن الابتكار المقتصد أتى من البلدان الصاعدة.. لماذا ؟

في الواقع ، بدلا من الأسواق الناشئة ، والاهتمام بموقعها الجغرافي ، فمن الأفضل ان نتحدث عن الأسواق ذات  “الإكراهات  الشديدة” ، التي توجد حتى في البلدان المتقدمة. وهكذا ، في الولايات المتحدة ، 63 ٪ من السكان لا يمكنهم أن يدفعوا علي الفور مبلغ ألف دولار في حالة مرض مستعجلة . ولكن هذه القيود لا تقتصر فقط على الجانب المالي ، بل يمكن ان تكون ذات صله بعوامل أخرى ، مثل البنية التحتية. وعندما لا توجد شبكه واسعه النطاق للإنترنت ، يصبح الوصول إلى الكثير من المعطيات محدودا بالنسبة للأفراد. وهذه من مشاكل الصحة العمومية عندما يكون هناك نقص في المستشفيات. وللتذكير فإن 45 ٪ من البلدان في العالم لديها أقل من طبيب واحد لكل 1000 نسمه!

سؤال: ولكن هذا الابتكار المقتصد نشأ في سياق محدد ما هو هذا السياق ؟

وفي التسعينات من القرن العشرين ، انتقلت الشركات متعددة الجنسيات إلى الأسواق الناشئة للاستفادة من المناولين بأقل تكلفة ممكنة . ولكن كما يقول جون تشامبرز، رئيس شركة سيسكو Cisco السابق : “جئنا للاستفادة من انخفاض التكاليف، ثم استقر بنا المقان بسبب وجود الكفاءات والمواهب.” لقد وجد أن سيسكو يمكنها أن تحسن أداءها من خلال تواجدها في الهند. وخلال 12 عاما ، انتقلنا من نظام الزبون القديم إلى التطوير الميداني للأنشطة الاستراتيجية من أجل السوق المحلية. وقد تعين علي هذه الشركات المتعددة الجنسيات ان تجد حلولا خاصة  للمستهلكين المحليين ذوي الحاجات الدقيقة جدا بعد أن أثبتوا أن لهم بعدا عالميا وبدأت المواهب المحلية تؤخذ في الاعتبار. علي سبيل المثال ، فإن  بنك اورانج Orange Bank ، أول بنك يعتمد بنسبة  100 ٪ على الهاتف المحمول في فرنسا ، هو الصيغة 2.0 لخدمة أورونج ماني Orange Money، وهي خدمه الدفع المتنقلة التي استطاع مشغل الاتصالات أن يوفرها بنجاح في افريقيا علي مدي السنوات العشر الماضية.

لقد كان هذا التحول حقا تطورا بارزا ؟

نعم. تخيل باحثا شابا ينضم إلى فريق البحث والتطوير في فرنسا بعد الانتهاء من التدريب الداخلي في العام السابق في الهند. غريزته الاولي ستكون اقتراح تشكيل فريق هناك. سيعترض عليه باحث آخر   يبلغ من العمر 45 عاما برد الفعل القائل انه من المفترض أن تكون الخبرة هنا وليس في الهند. إنها ليست مسألة ذكاء بل فقط خفة  الحركة الذهنية ، والتي نسميها في الهند “jugaad” .سيقول الباحث الشاب إنه يعتمد على ما رآه على أرض الواقع في الميدان وسيجد من الصادم أن يستبعد هذا الخيار من طرف الزبون وسيأتي الصدام من هذا الإحباط. إن الشباب اليوم  يريدون ان يكون هناك “تسيير معكوس” ليتعلم الباحثين الأكبر سنا أنه توجد طرق جديدة  للابتكار ، علي سبيل المثال عن طريق استخدام المسابقات التكنولوجية وعن طريق تقطع مع مناهج مراقبة الجودة والتنميط الماضية.

سؤال: وهذا الذي كان ناجعا في البلدان الغربية في الماضي القريب ؟

بالتأكيد، كان هناك أولا  نظام الصومعة أي أن كل واحد في صومعته الخاصة وعرف تتابع التحسينات و أعطى الانطباع ان كل واحد كان  سيدا في مجاله الخاص ويمكنه أن يفرض منتوجاته على السوق، أما اليوم فإن الممارسة أفرزت قطاعات شاملة وعابرة للمجالات ، نظرا لوجود أوجه تكامل ممكنة بين الصوامع المختلفة والابتكار المقتصد يختار نهج  الابتكار المفتوح الذي يعزز التعاون بين التخصصات. ما هي الجدوى من  محاولة إعادة اختراع العجلة عندما يمكنك استلهام الأفكار مما هو موجود فعلا في مكان آخر ؟

سؤال : هل الشركات العابرة للقارات أكثر انفتاحا من غيرها على الابتكار المقتصد ؟

نعم ، وهذا يرجع إلى 2اثنين أو ثلاثة عوامل رئيسية. الأول هو المستهلك. على سبيل المثال ، يستهدف حساب  Nickel  نيكل الذي يمكن فتحه  بسهولة عند بائعي السجائر والطوابع البريدية أولئك  الأشخاص الذين لم يعودوا قادرين على الوصول إلى وكالة بنكية  وقد لاقى المنتوج نجاحا باهرا وفاق عدد زبنائه اليوم رقم 1,400,000 . أتذكر عندما أطلقت المبادرة قبل خمس سنوات  كانت هناك شكوك حول احتمال نجاحها،  لقد اعتدنا على نموذج الوكالة المصرفية. ولكن المبدعين أصحاب فكرة نيكل أدركوا شيئين اثنين : من ناحية ، الجيل الجديد يفضل المعاملات الرقمية ، ومن ناحية أخرى ، حتى لو كان موظف البنك يعاملك بكثير من المودة فإن البنك يستخلص منك مصاريف تدبير الحساب و الفوائد المترتبة عنها des agios ،

لقد  غيرت الأزمة المالية في سنة 2008 الطريقة التي ننظر بها إلى البنوك. جاءت هذه الأزمة بعد أحداث أخرى أضعفت النظام الذي تهيمن عليه الولايات الأمريكية: انفجار فقاعه الإنترنت في 1999 والهجوم الإرهابي الذي وقع في 11 سبتمبر 2001. في الغرب ، استقر الشك في النفوس  وهو أيضا الوقت الذي بدأ فيه الناس ينظرون إلى الأسواق الناشئة بصفتها مصدرا للإبداع والابتكار .من حيث المنتجات والخدمات ونماذج الأعمال التجارية وليس فقط سوقا لبيع المنتجات الغربية. حتى 2008 ، كان العرض وحده يتحكم في استراتيجيات التكيف والتطور، وبعد 2008 ، بدأ التركيز على الطلب لأن الأزمة وسياسات التقشف أجبرت المستهلكين على المزيد من الرصانة ، وارتفع منسوب الوعي. من ناحية أخرى ، فان الأجيال الجديدة ترفض الاستهلاك السهل ، وقد شهدنا أيضا تحركات تدعو إلى خفض الاستهلاك  واليوم ، نعيش الموجة الأخيرة المطبوعة بالنضال اليائس ضد الاحترار العالمي، مع بروز ظواهر جديدة  مثل ارتفاع مستوى مياه البحر.

وباختصار ، إذا كان النظام التقليدي يستند إلى الجشع ، وتخفيض التكاليف ، والبحث عن أسواق جديدة، فإن الشركة اليوم يجب أن تسائل هويتها باستمرار وتعيد التفكير في وضعها ووظيفتها وعلة وجودها. هل هي مالية بحتة ، أم يمكن أن تكون بمثابه رابط وميسّر للابتكار الاجتماعي ؟ وقد أدرك القطاع المالي والبنوك والمؤسسات الدولية والهيئات الخيرية أنهم لم يعودوا يحتكرون المال عندما يرون كيف تستثمر الصين في إفريقيا. ولم يعد لديهم احتكار للإجابات عن الأسئلة الحارقة.

ومعنى ذلك بالضبط ؟

لقد أدركوا ان الحلول التي تم تطويرها في الغرب والتي يراد لها أن تطبق كما هي في افريقيا أو أمريكا اللاتينية لم تعد تعمل لان هناك تنوعا كبيرا في المشاكل المطروحة. ولهذا السبب أنشأت الأمم المتحدة “مختبرات التسريع” في 60 بلدا تسعي إلى تحديد ما الذي ينجح بالفعل ، وهي الحلول الميدانية المقتصدة ، لتطويرها على نطاق أوسع من الربط بالأطراف الفاعلة الأخرى. ومن البديهي أن هذا الأمر ليس سهلا نظرا لتعدد المتغيرات. ولكن لا يمكنك الحصول على الرشاقة والحركية إذا لم تقم بتغيير النموذج الممركز بشكل بنيوي.

هل الضغط من المستهلكين وفقدان حصتها في السوق يجبر الشركات الغربية على إعادة التفكير في نموذجها لتغيير نهجها في السوق؟

نعم ، فهمت سيمنز هذا. تقليديا ، لدينا هناك ثلاثة أصناف من المنتجات: الراقية ، متوسطة الجودة ومنخفضة الجودة . عند ذهابها  إلى الصين والهند ، عرضت   سيمنس Siemens أولاً منتجاتها الراقية التي طورها مهندسوها الألمان قبل أن تدرك أن هناك أشخاصًا يريدون منتجًا بجودة أقل ولكنه  يلبي احتياجاتهم الأساسية. . ومع ذلك ، لم تقدم شركة Siemens أي منتج للجمهور العريض ، والذي ، حتى بأسعار منخفضة وبهامش منخفض من الربح يمكنه  تحقيق أرباح لا بأس بها بفضل الكميات الكبيرة. بالإضافة إلى ذلك ، واجهت شركة سيمنز منافسين محليين أنتجوا منتجات منخفضة الجودة ، تاركين فراغًا في صنف الجودة المتوسطة . لذلك كان على شركة Siemens   أن تقدم منتجات ليست باهظة الثمن ولا منخفضة التكلفة ، ولكن  ذات جودة أفضل من تلك التي تنتجها الشركات المحلية.

لذلك اختارت شركة سيمنز كاستراتيجية للاستجابة على الفور بعرض متوسط الجودة يسمى SMART من أجل إنشاء وتشكيل سوق جديد. لكن شركة أبل ، ولو أنها  لم تدرك  ذلك ، استطاعت أن تبقى مهيمنة على قمة السوق. فهي في الهند تصنع محليًا لتخفيض سعر منتجاتها. من الواضح أن شركة هيرميس لن تخفض من مستوى منتجاتها الفاخرة. ولكن بالنسبة لجميع المنتجات الصناعية والاستهلاكية الأخرى  يصبح الأمر ضروريا . لأنه كما قال كريستوف دي مايستر ، الرئيس السابق لشركة سيمنز فرنسا ، على المدى الطويل أو المتوسط  لن يكون هناك في السوق  سوى فئتان من المنتجات: أ ، الفئة الفخمة  و ب ، الفئات الأخرى

سؤال: ولكن أين يكمن  الفرق بين المنتوجين الاثنين ؟

واحد منهما  سيكون أكثر تقدما من الناحية التكنولوجية ، وسوف تكون الخدمة ذات جودة عالية وسوف تجلب للمستعمل نوعا من التمييز الاجتماعي وربما الهوياتي لأن رمز الماركة   التي أستعملها  وحده يشير إلى وضعي الاجتماعي بينما  المنتجات الأخرى ليس لها رمز للماركة أصلا وهي تقتصر على الجانب الوظيفي والاقتصاد في التكلفة  لأن المستهلكين لا يهمهم رمز الماركة أصلا بل فقط وظيفة المنتوج. على سبيل المثال لا يهم إذا كنت مسافرا في الدرجة الاولي بالقطار أو الطائرة بل المهم هو الانتقال من النقطة أ إلى النقطة ب.  هناك طبعا فئة أخرى من المستهلكين التي تعتبر الماركة خيارا وجوديا أي  إذا كنت تستهلك منتوجا معينا فأنت موجود اجتماعيا. وهذه معضله بالنسبة للشركات التي سيتعين عليها ان تختار بين الفئة الأولى والثانية، وعلاوة علي ذلك ، ومهما كانت المنتجات ، تحتاج الشركات إلى التفكير في نوعية الخدمات التي يمكن أن تعرضها على السوق وتجني من ورائها الربح.

ألا تشجع المنافسة الدولية بين الاقتصادات الناشئة هذا الابتكار المقتصد ؟

صحيح ان هذا  لم يكن موجودا قبل 15 عاما. وقد مارست شركات التكنولوجيا الهندية الكثير من الضغط على المجموعات الغربية الرئيسية. ومع ذلك فاليوم ومع ظهور حركة مناهضه العولمة ، والحماية الجمركية والنزعات القومية الضيقة فأنا لست مقتنعا تماما بهذه الفكرة  . وفي حين تستثمر الصين بشكل متزايد في الخارج ، فإنها تواجه بعض الحواجز أمام  اقتحامها للأسواق الأخرى وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية .

هل تعتقدون فعلا أننا سوف تعيش عودة إلى الوراء؟

لا ، لان الدفاع عن الأسواق الوطنية ينبع  من جشع بعض الجهات الفاعلة المحلية أكثر مما ينبع من الخوف. وقد أدركت العلامات التجارية الغربية ان عليها ان تتكيف مع مثل هذه الحركة إذا أرادت أن تنجح. سيكون اقتصاد الصين ، الذي بلغ حجمه الحرج ، أقل وأقل تمشيا مع سياستها التصديرية السابقة وسوف يركز جهوده على سوقه المحلي الضخم، الذي سيجتذب المزيد والمزيد من الابتكار. يعرف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، الذي زار الصين  مؤخرا ، ان الشركات الفرنسية بحاجه إلى الابتكار بشكل مختلف لتلبية الاحتياجات الصينية المحلية. لا يمكنك بعد الآن مجرد ملء كتاب الطلبيات وبيع طائرات رافال بسهولة والقطار الفائق السرعة بسهولة أيضا، إن ال رئيس عادة ما يسافر معه مدراء شركات   CAC 40 الكبرى ولكنه هذه المرة فضل أن يرافقه مدراء  ETIالشركات المتوسطة الحجم  ، ورجال الاعمال الذين سيستمعون إلى المتحاورين الصينيين للرد علي وجه التحديد علي طلباتهم. هذا عامل تحفيز لان الشركات الناشئة لم تعد تخشى من التعامل مع قطاعات كبيرة مثل القطاع الطبي في القرن العشرين كانت المعرفة تمنح السلطة وفي القرن الواحد والعشرين فإن الجهل هو الذي يمنح السلطة.

 ما معنى ذلك ؟

علي سبيل المثال ، لقد بدأت شركة Blablacar   من طرف  شخص لا يعرف شيئا عن مجال التنقل ، ولكنه كان رجل اعمال  خبيرا في اقتناص الفرص. عندما لا تعرف القطاع  جيدا ، يمكنك قضاء بعض الوقت على أرض الواقع لكي تستطيع تحديد الاحتياجات بوضوح ، وتبحث عن حل ملائم  دون استثمار الكثير من المال وبالطبع يمكنك إدخال تحسينات فيما بعد. هذا هو عكس نهج المجموعات الكبيرة التي اخترعت المطارق الكبيرة ثم استغرقت وقتا طويلا وهي تبحث عن المسامير  ولم يعد رجال الأعمال الشبان خائفين ومتوجسين  كما كانوا قبل 20 عاما وسوف يقتحمون جميع القطاعات واحدا تلو الآخر.

 كيف تفسرون هذا التحول ؟

أولا ، هناك النموذج أو المثال و في العلوم الاجتماعية ، يطلق عليه “الرغبة في تأسيس المسار  المهني”. وفي فرنسا ، أظهر الباحث  كزافييه نيل أنه يمكن للمرء ان يصنع “مسارا مهنيا ” كرجل اعمال رغم أن  ريادة المشاريع محفوفة بالمخاطر في فرنسا ، كما هو الحال في الهند، لكن نيل أظهر أنه أمر ممكن. ومن عوامل التغيير الأخرى نجد التجارة الكترونية وهنا نجد أن مشروع PriceMinister برايس مينيستر كان مثالا جيدا. ثم جاءت التطبيقات  التي طورها أصحاب المشاريع المتخصصون  في مجالات محدده وحيوية مثل الصحة والزراعة والطاقة والتعليم… لقد تغيرت العقليات!

كانت الأجيال السابقة من أصحاب  المشاريع مقيدة ذاتيا اقتناعا منها بمحدودية الموارد بينما الجيل الجديد له ثقة في نفسه ويعرف أنه سوف يجد  المال في نهاية المطاف عبر استخدام مختلف شبكات العلاقات الرسمية أو غير الرسمية ، التي تسهلها شبكة الإنترنت. إذا استخدمنا استعاره بيولوجية ، فإنها يفكر بمنطق المنظومة وحتى المنظومة العليا بينما كان السابقون يعيشون ويفكرون في عزلة ،أما اليوم فبمجرد أن تتبلور لديهم الفكرة يشرعون في تأسيس الواجهات التواصلية لأنهم على وعي بأنهم ينتمون إلى منظومة واسعة النطاق تتجاوز الأفراد أما في الماضي فقد كانت شبكة العلاقات مقتصرة على الأصدقاء والعائلة.

مع مثال بلابلاكار نحن نرى كيف أن الناس يثقون بالغرباء الذين يسافرون معهم أكثر من ثقتهم بجيرانهم وهذا تغيير كبير في العقلية. يمكنك التقدم عبر الإنترنت لطلب تمويل جماعي تشاركي ، أو عبر  نظام أولول Ulule أو كيس كيس بانكKissKissBank . لقد تغيرت طبيعة المشاريع. كانت في الماضي  لديها غرض تجاري بحت ومع الموجة الجديدة هي تتجاوز المجال الاجتماعي  وتأخذ في الاعتبار الاقتصاد الدائري أو الاقتصاد المحلي. من قبل كنا نفكر على مستوى عالمي واليوم أصبحنا نفكر أكثر على  المستوى المحلي القريب  والمستهلك بدوره أصبح مستهلكا محليا ولذلك من الضروري أن تظل القيمة المضافة قريبة من العرض والطلب في نفس الوقت وهذا جانب من جوانب الاقتصاد المقتصِد الذي لا يبذر الموارد .

 أليس هذا ما تسهى إليه الماركات العالمية الكبرى ؟

يجب ان نتخلص من التفكير الثنائي المحض وحالما نتكلم عن المجموعات الكبيرة يتبادر إلى الذهن  على الفور أن نقول من يستفيد منها. أنا أزعم أن المستفيد هما كلا الطرفين، فالمجموعات الكبيرة يمكن أيضا أن تصبح حليفة للمنتجين المحليين الصغار نسبيا .. بعد أزمه جنون البقر ، التزمت شركة ماكدونالدز بتوريد اللحوم المحلية فقط مع تحسين عمليات التتبع. أستطيع أن أؤكد لكم أن الهامبوغر  في فرنسا أفضل بكثير من مثيله في الولايات المتحدة. وبطبيعة الحال ، يتم اجراء هذه التغييرات تحت ضغط النشطاء من المستهلكين ، لأن الشركات التي تكسب المال ليس لديها مصلحة في تغيير عاداتها.

 هذا يعني أن المستهلك أصبح حلقة هامة في هذا النوع من  الاقتصاد الشحيح الذي يكره التبذير ؟

نعم. وفي الولايات المتحدة ، يمثل الاستهلاك 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ، وهي نسبة ضخمة. يمكن للمستهلكين التأثير علي الحكومات التي يمكن ان تسن تشريعات لإجبار الشراء المحلي ، ولا نغفل أن المستهلكين هم أيضا ناخبون ويرغبون في الاحتفاظ بوظائفهم محليا.

 يعني أن الناس يمارسون الاقتصاد الشحيح من أجل التحكم في حياتهم اليومية ؟

من قبل ، كان المنطق هو السعي نحو الكسب أكثر وهو منطق  لا نهاية له. في الولايات المتحدة ، في السنوات الأخيرة ، برز اتجاه يسمى التقليل والبساطة وهو يدعو إلى الحد من الاستهلاك المادي ولا يسعي لكسب المزيد ، ولكن يسعى للحصول على وقت الفراغ الكافي  والحد من الضرائب ، ويفضل المنتجات المستدامة  ولكن من الصحيح ان تآكل القوه الشرائية هو العامل الأكبر في هذه الحركة.

إذا كان من خصائص هذا الاقتصاد الشحيح هو أن يصبح المستخدمون مساهمين في التفكير الاستراتيجي للشركات فهل هذا أمر واقعي فعلا ؟ أليس هذا نوعا من الحلم؟

لقد تحدثت عن تجربة Fablabs فابلاب وهناك  العديد من الشركات التي تدمج هذا النوع من التجارب في مسارها مثل L’Air Liquide التي أنشأت مختبرا  في  قلب مدينة باريس وشركة  فورد فعلت نفس الشيء في مدينة  ديترويت الأمريكية. هذه الشركات تسمح لموظفيها في المساء أو في عطله نهاية الأسبوع بالذهاب إلى ما أسميه “فضاءات اللعب” ، فهي تسمح لهم بالتحلل من إكراهات الجدول الزمني المنظم والتسلسل الهرمي الذي يراقب الموظفين باستمرار،  في الفابلاب يوجد نوع من الحياد ولا أحد يتحكم فيك مباشرة. الموظفون مبدعون ويختبرون ويجربون. هذا النمط  يجذب خاصة الأطر العليا  والمهندسين الذين يشعرون بالارتياح في إعادة تأسيس هذه التجربة الحرة. وهم يشاركون في مشاريع يمكن ان تشجع باقي المستخدمين على المشاركة بدورهم . واليوم ، لم يعد الابتكار حكرا على فريق البحث والتطوير بل  يمكن لأي شخص أن يفعل ذلك. وقد فهم صانعو القرار هذا التحول مؤخرا. وإذا كان لا بد من قواعد وأهداف التجارية، فهي ليست قصيرة الأجل.

سؤال: أليست هذه النظرة مخالفة لطبيعة الأشياء بعد أن عشنا على إيقاع التعارض بين رأس المال والشغل ؟ أليس العاملون هم الطرف الخاسر في هذه المعادلة ؟

غير صحيح. علي سبيل المثال ، في المجموعات الصناعية الأمانية ، يمكن للموظف العادي أن يصبح صاحب  براءات الاختراع المسجلة والحصول على نسبه مئوية من الدخل الناتج عنها وبذلك فهو  يصبح شريكا في ملكية الشركة ويستلم جزء من الربح السنوي (هذا هو ما يفسر لماذا  في 2017 سجلت ألمانيا أربعة أضعاف ما سجلته فرنسا من براءات الاختراع. ولكن بالإضافة إلى هذه الحوافز المالية ، هناك حافز نفسي، فالموظفون، وخاصه الشباب ، يريدون أن يكون لهم معني لما يقومون به من عمل ويحرصون أن تكون للمشاريع قيمة مضافة  اجتماعيه وبيئية. إن الرأسمالية لا تقتصر على بعدها المالي فحسب فأنت دائما بحاجه إلى مثل أعلى تطمح إليه .

سؤال : وهل تقبل كل الأطراف الدخول في هذه اللعبة الجديدة ؟

نعم ، لكن الجهد يأتي من الهيكل التنظيمي. هناك نوع من الاختناق في الإدارة الوسطي  وهناك عاملان ضروريان لنجاح التجربة : تواضع المجلس الإداري  وتجنب الانسداد على مستوي الإدارة الوسطي التي  تجد نفسها  محصورة بين الإدارة العامة  والقاعدة  فتميل إلى رفض المشروع بحجة أنه من معقد جدا وصعب التطبيق. ولذلك يجب إيجاد حوافز للمخاطرة. و كتابي يخاطب في المقام الأول المسؤولين في المستويات الوسطى الذين لم يتم تدريبهم على هذه الفلسفة. وفي الواقع ، يتمثل أحد الحلول في إسناد هذه الأنواع من المشاريع إلى الشباب والنساء والعاملين في الاقتصادات الناشئة الذين يلتحقون بالشركة. وقد أجرى مكتب الاستشارات ديلويت دراسة تبين انه عندما تقدّر الشركة التنوع في مشاريعها  فإنها تقلل من المخاطر بنسبه 30% وتزيد من جودة الابتكار بنسبة 20% وهي نتيجة ممتازة ولا يمكن تدبير الأمور المعقدة بالتبسيط والتنميط.

سؤال: عندما تأسست شركة إيزي جيت    Easyjet  للطيران ذي الكلفة المنخفضة فهل هذا صنف من أصناف الابتكار المقتصد ؟

   لا ، لأن الهدف هو تقديم أدني سعر للمستهلك والابتكار المقتصد يضيف أبعادا أخرى (الاجتماعية والبيئية) ، علي الرغم من ان جذوره  الأولى هي السعي وراء التكلفة المنخفضة.  لكنها تكلفة منخفضة ليست للفقراء فقط بل لجميع  المستهلكين الذين يتطلعون إلى دفع اقل ثمنا لشراء تذكرة السفر بالطائرة  وقد عرفت الشركة نفسها من البداية على أنها بديل لما هو موجود ، على  النقيض من الابتكار المقتصد الذي يشكل نموذجا بديلا للسوق الحالية المدمرة. والفكرة  ليست إنتاج  “أقل بأقل تكلفة ” ولكن إنتاج  “أحسن وأفضل بأقل تكلفة”. علي سبيل المثال ، فمنتوج شركة Blablacar  أرخص ، ولكنه يخلق رابطا اجتماعيا  ويشتمل على ابتكار مفيد للبيئة.

من بين الإكراهات الحالية اليوم هناك ضرورة  مكافحه الاحترار العالمي. هل يقدم النموذج  المقتصد حلا ؟

 نعم ، لأننا نتجاوز مفهوم الاستدامة لإدخال مفهوم التجديد. بدلا من الحد من التأثير السلبي لنموذج موجود… من الأفضل التفكير في نموذج جديد يعتمد علي مبادئ التجدد الطبيعي خصوصا إذا علمنا أن ا 60% من المدن التي ستتواجد في 2050 لم يتم بناؤها بعد.

علي سبيل المثال شركة  Interface شركه رائده عالميا في مجال       أغطية الأرض والبلاطات، وقد بنت “مصنعا مثل الغابة ” في أستراليا يقوم بإنتاج وتوزع مياه الشرب النظيفة والطاقة للتجمعات المحلية القريبة منه. إن مصطلح محاربة آثار تغير المناخ في حد ذاته يشير إلى وجود نوع من الصراع بين الإنسان والطبيعة. ولكن إذا كنا نحن في حاجة إلى الطبيعة فالطبيعة ليست في حاجة إلى الإنسان وهذا ينبغي ان يشجعنا علي ان نكون أكثر تواضعا في مبادراتنا ، وقبل كل شيء ان نسعى إلى استخلاص الدروس منها  خاصة عندما نبحث عن نماذج جديدة لتنظيماتنا.

نحن نتحدث عن المؤسسة أو الشركة المحررة. إن السمتين الرئيسيتين للطبيعة هما السخاء ، لأنها تمنح أكثر مما تطلب ، ومن هنا يأتي مفهوم التجديد هذا ، ثم التعاون وهو ما يتنافى مع مفهوم “قانون الغاب” الذي نستعمله للتدليل على قوانين الطبيعة

بدلا من أن تبحث كل شركه على نموذجها من أجل  التنمية المستدامة  ينبغي تشجيع التعاون الصناعي حيث العديد من الشركات تجتمع معا كما هو الحال في الدنمارك، حيث تتقاسم مجموعة من الشركات نفس المكاتب ونفس التجهيزات والمعدات ، وهو ما يعادل اقتصاد المشاركة المطبق علي عالم الاعمال. وهذه التوجه ينمو أكثر فأكثر.

 في كتابكم تقترحون  فكرة أن الشركات العالمية يمكنها أن تشتغل بدورها  بشكل ناجع وفعّال؟

نعم ، لان لكل منها شبكة عالمية تسمح لها بالوصول إلى الكثير من المعلومات ومجموعه واسعه من الإجراءات. خذ مثال  كوكا كولا  وكيف تمكنت من نقل المشروبات إلى القرى النائية في افريقيا. وتستخدم منصات التسليم أيضا لنقل الأدوية. لذلك هناك سلاسل التوريد الموجودة بالفعل ، أكثر كفاءه بكثير من اللوجستيات التي توفرها المؤسسات الكبيرة وهي تسعى منذ فتره طويلة للوصول إلى المستهلكين. وبعبارة أخرى ، فان الكيلومتر الأخير الذي

Hits: 305

Sign In

Reset Your Password