مشروع المدونة الرقمية: أيها المغاربة، إنكم مراقبون !

صورة مركبة لرئيس الحكومة عبد الإلبه ابن كيران تبرز تناقضات وعوده

 إذا كان الكشف عن مشروع المدونة الرقمية الذي أعدته مؤخرا وزارة التجارة والصناعة والتكنولوجيات الحديثة  قد أنتج ردود أفعال قوية من طرف النشطاء المغاربة في العالم الافتراضي والصحافة الرقمية، فالسبب يعود لكونه يهدد ما تبقى من فضاءات حرية التعبير على الشبكات الاجتماعية، بعد الإجهاز على الصحافة المستقلة، كما يتضح على سبيل المثال من المتابعات القضائية التي يعاني منها موقع “لكم”. إن خطورة هذا المشروع  تكمن على الخصوص في تأسيسه وشرعنته للرقابة  الممنهجة على الاتصالات الخاصة بين الأشخاص.

 

الوهم منذ البداية

في ديباجته، يشير نص المشروع المقدم من طرف الحكومة إلى “تعزيز الترسانة القانونية المتعلقة بمجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال ومواءمتها مع الاتفاقيات الدولية المصادق عليها في هذا المجال من طرف المغرب”. و الواقع أن المغرب صادق على معاهدة واحدة في عام 1983 تتعلق بتوزيع الإشارات الحاملة للبرامج المرسلة عبر الأقمار الصناعية، ولا زال لم يصادق على “اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة باستخدام الاتصالات الإلكترونية في العقود الدولية (نوفمبر 2005) ولا على القانون النموذجي بشأن التجارة الإلكترونية (1996) الذي أعدته لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية، وهما الأكثر أهمية في هذا المجال، خاصة فيما يتعلق بمعادلة الإلكترونية العابرة للحدود.

الإدارة الإلكترونية والمستعمِل: علاقة غير متكافئة

ينص مشروع القانون إلى ما يلي: “يشكِّل ولوج المواطنين إلى المعلومات التي تحوزها الإدارة العمومية وإلى فضاء رقمي آمن تقدما اجتماعيا للبلاد”، ويضيف: “يهدف تطوير الإدارة الإلكترونية والاقتصاد الرقمي إلى تحسين الرفاهية الاجتماعية للمواطنين”. لكن، وكما حصل مع قانون الحق في الحصول على المعلومة، فإن المادة 2 تبادر وبدون أدنى تحفظات إلى استثناء خدمات الإدارة الإلكترونية في ميادين الدفاع الوطني وأمن الدولة الداخلي أو الخارجي. بعبارة أخرى، إذا كانت الإدارة الإلكترونية تعتبر “تقدما اجتماعيا”، فإنها لا تمتد إلى معلومات قد تكون بسيطة وعادية جدا مثل تلك المتعلقة  بالموارد البشرية لهذه المؤسسات المذكورة أعلاه أو صرف اعتماداتها المالية، وهذا الموقف لا يتفق مع المعايير الدولية التي تحدث عنها المشروع في ديباجته. علاوة على ذلك، فإن الصيغة الفضفاضة لهذه المادة تتعارض مع ممارسة أصبحت واقعا في العلاقة بين المستعمِل وإحدى تلك المؤسسات هي وزارة الداخلية، لأن إجراءات الحصول على جواز السفر أو بطاقة الهوية الوطنية تعتمد اليوم على الخدمات الإلكترونية ! إننا إذن أمام مشروع مدونة رقمية يراد لها أن تنفتح على المستقبل ولكنها تبدو متجاوزة قبل ولادتها الرسمية ! هل معنى ذلك أن التقدم الذي حصل في السنوات الأخيرة على درب استعمال التقنيات الرقمية في الخدمات الإدارية يجب التخلي عنه لأجل الانسجام مع المدونة الجديدة ؟ أليس هذا هو العبث بعينه ؟

لنواصل الآن اكتشاف تضاريس هذه المدونة و مفاجآتها. تقول نفس المادة 2 : ” يمكن استثناء أية خدمة أخرى للإدارة الإلكترونية من مقتضيات تطبيق هذا القسم وذلك بموجب نص تنظيمي”. بعبارة أخرى، النص يمنح السلطة المطلقة للحكومة ومتى شاءت، أن تقرر استثناء جزء من الإدارة من مقتضيات هذه القانون، ودون استشارة أحد من المستعمِلين أي أصحاب المصلحة الرئيسيين والذين تهدف المدونة أصلا إلى تحسين رفاهيتهم الاجتماعية. إن هذه الصلاحية الممنوحة للحكومة  ذات طابع استبدادي محض، ولذلك فإن معالجة الأمر بطريقة ديمقراطية تستدعي أن يعود قرار الاستثناء للمواطنين عبر ممثليهم في البرلمان ( علما أن الوضعية المؤسساتية الحالية لا يتمتع فيها البرلمان إلا بشرعية ديمقراطية نسبية جدا،  وهذا موضوع آخر).

هناك ثغرة أخرى تتمثل في المادة 4 التي تتحدث عن المخاطر المتعلقة بأمن نظام المعلومات والمعطيات، والتي يتعين على أية إدارة أن تأخذها بعين الاعتبار قبل إطلاق أية خدمة إلكترونية، وهذا في حد ذاته أمر محمود. المشكل هو أن المدونة لم تذكر شيئا عن إجراءات المحاسبة إذا تبين فيما بعد أن تلك الخدمة فشلت، فلم تتحدث عن مسؤولية  الإدارة المعنية إذا كانت تدابيرها حول أمن المعطيات لا تحقق الأهداف المسطرة لها، فهـل يكفي أن ينص المشروع على أن كيفية إنشاء خدمة الإدارة الإلكترونية عبر الخط تحدد بمقتضى نص تنظيمي ؟

بالإضافة إلى ذلك، فإن المشروع لا يتناول مسؤولية الإدارة المختصة في حالة عدم إصدارها لإشعار إلكتروني بالتوصل، بينما هو أمر إلزامي عند تسلم الطلبات أو الوثائق الورقية. ففي المادة 15 لا يأخذ هذا الإجراء إلا طابعا اختياريا رغم أنه يجسد فعلا الشفافية في الخدمات العمومية، ومن ثم فإن مناسبة  الاستعمالات الرقمية بدل أن تعكس خطوة جديدة على سبيل المزيد من الحماية لحقوق المستعملين، ستصبح نكوصا إلى الوراء. لهذا السبب لا بد أن يكون كل طلب خدمة على الإنترنت يرافقه بصفة إجبارية إشعار إلكتروني بالتوصل، وأن تكون الإدارة المسؤولة عن تلك الخدمة ملزمة بحماية معطيات المستعمِل ومسؤولة عن سلامتها. أما من الناحية الفنية فإن إصدار إشعار إلكتروني بالتوصل هو أبسط و أقل كلفة من الإشعار الورقي العادي.

أما عن العذر الذي حاول مشروع المدونة استعماله لتبرير هذا الطابع الاختياري لهذا الإجراء، فقد نص على أن ” الإدارة لا تلتزم بتوجيه إشعار بالتوصل أو بالتسجيل بشأن الإرساليات التعسفية، لا سيما من حيث عددها أو طابعها المتكرر أو الممنهج “، وهو عذر غير مستساغ،  كما لو أن وضع نظام آلي مكلف بالإشعار بالتوصل أمر مرهق أو بالغ التكلفة، أو كأنه أكثر إرهاقا وأعظم كلفة من حالة مكتب الضبط التقليدي عندما يتوصل بآلاف أو حتى ملايين الرسائل والطلبات الخطية غير ذات الجدوى.

خطر التجسس على المكالمات الهاتفية والمراسلات الخاصة

 يميز النص بين ” الاتصالات الرقمية ” و ” الاتصالات الرقمية على الخط “. فالأولى لها مضمون خصوصي، بينما مضمون الثانية مُتاح للعموم أو جزء من العموم. تعتبر المادة 24 أن حرية ممارسة الاتصالات الرقمية على الخط مضمونة، ولكنه  يضيف :” ولا يمكن أن تقيد هذه الحرية إلا بما يقتضيه، من جهة، احترام كرامة الفرد وحياته الخاصة وحرية وملكية الغير والطابع التعددي لتيارات الفكر والتعبير والرأي، ومن جهة أخرى، احترام الدين الإسلامي والوحدة الترابية والاحترام الواجب لشخص الملك و للنظام الملكي وللنظام العام و لحاجيات الدفاع الوطني ومتطلبات المرفق العمومي وللإكراهات التقنية المرتبطة بوسائل الاتصالات الرقمية عبر الخط”.

هذه مقتضيات تعسفية و مضيِّقة على الحرية.

إن الأسوأ هو أن المادة 24 لا تنص صراحة على حرية “الاتصالات الرقمية” ذات الطابع الخاص، وفقا للمبدأ الدستوري الذي يحمي سرية المراسلات، كما فعلت مع “الاتصالات الرقمية على الخط”، فهل معنى ذلك أن تبادل رسائل البريد الإلكتروني سوف تصبح مقيدة كلما تناولت مواضيع تُعتبَـر حساسة من طرف الرقابة؟

كيف سيتم الاعتماد على حرية المراسلات الرقمية الخاصة أمام المحكمة إذا كان القاضي يتشبث بقراءة حرفية للنص أو يرضخ للضغط، في مناخ نعرف أن استقلال القضاء فيه لا يزال هشا للغاية، لا سيما في المحاكمات السياسية.

وهذا يعني أن الحكومة تستطيع أن “تتلصص” على المواصلات الخصوصية بين المغاربة (البريد الإلكتروني والهاتف وغيرها) وأن تقيِّدها أو تعرقلها بطرق شتى (التشويش، قطع الخط…) أو تستخدمها كوثائق إدانة كما حدث خلال محاكمة محمد رضا وعبد المجيد ألويز، وهما من قيل إنهما خلف فضح قضية تبادل العلاوات بين الوزير مزوار والخازن العام بنسودة.

ولئن كانت المادة 81 “تمنع” هذا النوع من الممارسة خارج النطاق القضائي، فإن المشروع يظل صامتا حول العقوبات ضد هذه الممارسات غير القانونية، والتي لا يسهل إثباتها أمام المحاكم، وخاصة عندما يصدر عن جهاز حكومي من الأجهزة الأمنية. إن الصياغة الحالية للمادتين 24 و81 تجعلهما أداة لإضفاء غطاء قانوني على رصد المكالمات والرسائل المتبادلة، و ذلك دون أي حسيب أو رقيب.

  علاوة على ذلك، فإن المادة 31 تتضمن تناقضا غريبا حيث تقول: “لا يخضع مقدمو الخدمات لالتزام عام بمراقبة المعلومات التي يرسلونها أو يخزنونها”، وهذا يعني وجود جهاز ما أو منظومة ما تشتغل خارج نطاق القانون مهمتها القيام بهذه المراقبة، فمن يكون هذا الجهاز أو هذه المنظومة ؟

المدونة الرقمية: هل هي مدونة للصحافة الإلكترونية ؟

سيصبح مقدمو الخدمات الإلكترونية مستقبلا ملزَمين بالإفصاح عن هويتهم بناء على المادة 25 من مقترح المدونة. فـفي غياب نص قانوني ينظم الصحافة الإلكترونية،  يبدو أن هذا المشروع يروم سد هذه الفجوة.

لكن المادة 28 وضعت شرطا يتسم بنوع من التحدي والمغامرة عندما دعت جميع مقدمي الخدمات على العمل جميعا لصياغة مدونة حسن السلوك، تُـبيِّن وتوحِّد ممارساتهم المهنية، وذلك في غضون 12 شهرا من تاريخ نشر المدونة الرقمية بالجريدة الرسمية، فإن لم يفعلوا فإن السلطة الحكومية سوف تفرض عليهم نصا تنظيميا يقوم مقام مدونة حسن السلوك! فهل من المعقول أن يُطلب من جميع مقدمي الخدمات، على تنوعهم، أن يبلوروا مدونة مشترَكة حول الممارسة المهنية ؟ كيف ستلتقى كل الفئات المهنية التي تشتغل على الأنترنيت والتي لا تجمعها نفس الممارسات؟ أليس من الأجدر أن يتم حصر مختلف المهن المعنية ( الصحافة الرقمية، التجارة عبر الإنترنت، شركات الاتصالات، خدمات الإدارة الرقمية… الخ) ومطالبة كل فئة منسجمة أن تبلور مدونة حسن سلوك خاصة خلال مدة زمنية معقولة، وتجنب اللجوء إلى الإملاءات الفوقية بنص تنظيمي تحتكر السلطة صياغته، و في حالة التأخير، يُعهد للسلطة التشريعية – وليس التنفيذية – اقتراح مدونة للسلوك لكل فئة مهنية.

المحتوى “غير المشروع” مفهوم غامض وفضفاض يهدد حرية التعبير

يتحدث نص المقترح عن المسؤولية المدنية أو الجنائية، حسب الحالات، عندما يتم نشر محتوى “غير مشروع “. لكن النص لا يحدد ما معنى “غير مشروع “. لو أن النص أتى بتعريف واضح ودقيق لقطع الطرق على كل تأويل تعسفي قد يتنج عنه الحد من حرية التعبير. في ظل هذا الغموض، من الصعب أن نعرف باطمئنان ما إذا كان الإشهار لنوع من أنواع الخمور يعتبر “غير مشروع”، أو أن إبداء ملاحظة نقدية حول تصرف ملكي هو أيضا “غير مشروع”…

الأسوأ من ذلك  أن مشروع القانون هذا يلزم مقدمي الخدمات، بما في ذلك وسائل الإعلام، أن يلعبوا دور شرطة الشبكة العنكبوتية، وإلا فإن مسؤوليتهم المدنية قائمة. أما المسؤولية الجنائية فإنها تنعقد إذا كان القصد متعمدا من طرف مقدم الخدمة، أي أنه أصبح على بينة من وجود المحتوى “غير المشروع” ورغم ذلك لم يبادر إلى إزالته. ربما يكون هذا الأمر منطقيا في حالة وجود صور أو أشرطة إباحية أو تنتهك كرامة الإنسان، ولكن الإشكالية تطرح إذا تعلق الأمر بانتقاد شديد اللهجة لسياسة القصر الملكي. كما أن صفة القصد المتعمد تطرح مسألة الدليل لإثباتها. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لوسيلة من وسائل الإعلام الرقمية أن تقبل نشر تعليق لأحد القراء على موضوع معين، دون أن يعتبره مدير النشر تعليقا “غير مشروع” حسب مفهوم القيود المنصوص عليها في المادة 24، ومع ذلك يمكن للرقابة أن تعتبر نفس التعليق “غير مشروع” ومن ثم يعتبر مدير النشر متورطا جنائيا. ومن هنا تظهر الحاجة الماسة إلى نقاش واسع وعميق حول مفهوم “المحتوى غير المشروع” في البيئة الرقمية، وذلك لتجنب الانتهاكات الشديدة لحرية التعبير، خصوصا في ظل نظام سياسي يراكم الإخفاقات على سبيل الديمقراطية ويتلذذ بمحاكمة المناضلين والصحافيين المستقلين الرافضين الخنوع إلى إملاءات القصر وهيمنته.

ومع ذلك، فالفقرة الخامسة من المادة 30 تخفف شيئا من مسؤولية مقدم الخدمات، إذا قام بسحب المادة “غير المشروعة” في “أقرب الآجال” ولا سيما بعد توصله بإنذار في الموضوع. لكن النص يتحدث فيما بعد عن المحتوى أو النشاط الذي “يُعتبر” غير مشروع من طرف الجهة التي أصدرت الإنذار الكتابي كما يتضح من الفقرة الثالثة من المادة 33،  فمَنْ غيرُ القضاء لديه السلطة ليعتبر المحتوى مشروعا أو غير مشروع ؟  وبالتالي، يجوز لأي طرف أن يشكو من محتوى يزعم أنه غير مشروع، ولكن العدالة وحدها هي المختصة لاتخاذ قرار بشأن الطبيعة المشروعة أو غير المشروعة للمحتوى ومن ثم أن تأمر بسحبه. علاوة على ذلك، فإن المادة 32 تنص صراحة على هذه الإمكانية بإشارتها للسلطة القضائية، فلا داعي إذن لتوسيعها لتشمل أطرافا أخرى، لأن ذلك من شأنه تقويض استقلال القضاء ومبادئ الديمقراطية والفصل بين السلطات. ولكن المادة 36 تمنع على أي “شخص أن يبلغ بعدم مشروعية أي محتوى وذلك بهدف سحبه أو توقيف نشره مع علمه أن هذه المعلومة غير صحيحة”، وهنا تطرح مجددا إشكالية إقامة الحجة على سوء النية. الخلاصة أن العدالة وحدها يجب أن تكون لها السلطة  لتقرر ما إذا كانت أية مادة شرعية أم لا.

إن النص يمنح للسلطة القضائية صلاحية تعطيل الولوج إلى محتوى غير قانوني ومنع الوصول إلى موقع على شبكة الإنترنت تقع في الخارج وإنهاء حساب المستعمِل. بالإضافة إلى ذلك، وفي حالة الاستعجال “يمكن للمحكمة المعروضة عليها القضية، تلقائيا أو بناء على طلب، أن تأمر مقدم الخدمات باتخاذ جميع التدابير الكفيلة بالوقاية من أي ضرر أو بوضع حد لضرر تسبب فيه نشر محتوى أو ممارسة نشاط عن طريق الاتصالات الرقمية عبر الخط”. وهذه كلها صلاحيات واسعة جدا يجب تسييجها بضمانات في سياق الصحافة الرقمية على الخصوص

ختاما، لنتأمل قليلا فكرة بسيطة لمارغريت ميد: “لا شك أن مجموعة ولو صغيرة من الأفراد، يستطيعون تغيير العالم، إن كان لهم ما يكفي من الوعي والإرادة، وهكذا دوما حدثت الأمور”. من الواجب و الضروري أن نحتج على هذا النوع من القوانين التي عفا عنها الزمن، بينما عدد الديمقراطيات في العالم تضاعف خمس مرات منذ عام 1945، مما سمح بإنشاء نظم قانونية أقل تعسفاً وأكثر احتراماً لحقوق الإنسان، و تكريس الشفافية وحرية الحركة للأفكار والبضائع والأموال والأشخاص.

مقالات ذات صلة

Sign In

Reset Your Password