الاتفاق المغربي الاسباني للترحيل الفوري للمهاجرين مخالف للقانون الدولي وللدستور وللقوانين الداخلية في البلدين/ صبري الحو

وزيرا الداخلية المغربي محمد حصاد ونظيره الاسباني فرنانديث دياث

يرتقب أن ينعقد يوم الأربعاء بالمغرب ولأول مرة بمدينة طنجة لقاء اللجنة المشتركة المغربية الاسبانية للداخلية والأمن.  ويأتي هذا اللقاء بعد أن لوحظ  توالي محاولات تسلل  المهاجرين من دول افريقيا جنوب الصحراء الى سبتتة ومليلية عبر تسلق الجدار الحديدي، الشائك وذو الشفرات الحادة أو عن طريق مياه البحر، إذ نجح سنة ٢٠١٣عدد٤٢٣٥ من ولوج المدينتين، حسب وزير الداخلية الاسباني خورخي فرنانديز دياز وتم تسجيل ٤١ محاولة اجتياز جماعي للمعبر حسب وزير الاتصال المغربي مصطفى الخلفي. كما يأتي بعد رصد اقدام الشرطة الاسبانية على الترحيل الفوري  لمجموعات من الناجحين في الاجتياز الى المغرب خارج نطاق المساطر القانونية التي تنظم الترحيل والواردة في قانون حقوق وحريات الأجانب في اسبانيا واندماجهم الاجتماعي.

وهو ما اصبح يطلق عليه في الصحافة الاسبانية بالترحيل فوق المياه المياه الساخنة او الدافئة، las devoluciones  en caliente de subsaharianos، وقد صرح وزير الداخلية الاسباني في زياراته الأخيرة للمدينتين انه طلب صراحة من وزير الداخلية المغربي محمد حصاد، خلال لقائهما بباريس في فبراير الماضي بمناسبة تقييم التعاون المشترك بين المغرب والدول الأوروبية الثلاث البرتغال واسبانيا وفرنسا، او من خلال مكالمات هاتفية بينهما القبول بذلك، واستطرد قائلا بكون ذلك هو الحاجة الوحيدة التي سيركز وسيؤكد عليها خلال اللقاء المرتقب بينهما يوم الثلاثاء المقبل ٢٦ مارس.

أولا: اللقاء فرصة اسبانية لصيد المغرب وفرصة مغربية لجني عائد سياسي؛

١- لأنه يأتي غذاة ارتفاع وثيرة محاولات عبور المهاجرين جنوب الصحراء المتواجدين بالمغرب الى مدينتي سبتة ومليلية عبر اجتياز الجدران الحديدية الشائكة وذات الشفرات الحادة أو عن طريق المياه بنسبة ٥٧،٧٪. في مقابل انخفاض بين لمحاولات العبور عبر القواب الى الجزيرة الايبيرية مباشرة واوروبا ب٩٥٪ سنة ٢٠١٣.

٢- لأنه يأتي بعد حادث غرق ١٥ مهاجرا من جنسيات مختلفة جنوب الصحراء يوم السادس من فبراير الماضي، و يعزى السبب فيه للشرطة الاسبانية التي اطلقت الرصاص المطاطي عليهم وهم يسبحون نحو الشاطىء .

٣-لأن اسبانيا ستحاول ارغام المغرب على القبول بالترحيل الفوري والمباشر وخارج اية اجراءات وضدا على القوانين والمساطر للمهاجرين من دول الغير وخاصة من الدول الافريقية جنوب الصحراء الذين يعبرون الى اسبانيا بما فيه مدينتي سبتة ومليلية .

٤ـ لأن المغرب سيحاول اقحام وتوريط جيرانه وخاصة الجزائر وموريتانيا في تدبير الترحيل، لأنه يؤكد أن منفذا المهاجرين اليه يأتي من الجزائر التي يشترك معها في ١٦٠٠كلم، وفي ذلك مكسب سياسي لأنه قد يحرك ملف الحدود بينه وبين الجزائر المقفلة منذ ٢٠ سنة.

٥ـ لأن المغرب سيحاول أن يورط الاتحاد الأوروبي كاملا في الاتفاق ولا يرغب أن يشمل اسبانيا وحيدة، لما سيجنيه ذلك من مكاسب سياسية تهم ملفات أخرى ولاستجداء ناتج اقتصادي مهم، لا يأمل حصوله من اسبانيا التي تعيش أزمة اقتصادية منذ ٢٠٠٨ ويتظاهر سكانها جراء سياسات التقشف المتوالية.

٦- لأن المغرب يرى أن الدول الأوروبية لم تمنح لمبادرته بتسوية أوضاع المهاجرين واللاجئين في وضعية ادارية غير قانونية، الذين يستوفون شروط محددة مرتبطة باثبات الاقامة في المغرب لمدة تختلف حسب الأحوال، التشجيع والدعم والتنويهالذي تستحقه، في حين أنها الأولى على المستوى المغاربي.

٧- لأن اسبانيا ستحول الحدث الى سبب تطالب بموجبه من الاتحاد الأوروبي مزيدا من المساعدات> تحت عنوان مبدأ التضامن الأوروبي مع دول الاتحاد التي تعاني صعوبات بسبب ضغط الهجرة والمهاجرين اليها.

ثانيا: سياسة أوروبا في الهجرة: التوحيد الداخلي والبحث عن حارس للحدود الخارجية؛

اقتنعت دول الاتحاد الأوروبي منذ مدة بأهمية توحيد سياستها في ميدان الهجرة في قممها التاريخية؛ منها مخططات لهاي وتامبير ١٩٩٩ولهاي ثانية ثم ستوكهولم،  ونهجت سياسة تعطي امتيازا وأفضلية للهجرة الشرعية وتحارب وتتصدى للهجرة غير الشرعية، ولأن أوروبا تدرك أنها لن تقدر على بلوغ الهدف وحيدة . فانها ابرمت مجموعة من الاتفاقيات في اطار ثنائي أو متعدد الأطراق أو في اطار تجمعات اقليمية للتدبير التعاوني في ميدان الهجرة مع الدول مصدر المهاجرين أو دول العبور. وغالبا ما يدور محل تلك الاتفاقيات على تمكين الدول المتعاقدة معها من عائد مالي و نصيب من الهجرة الشرعية عادة من أجل العمل أو الدراسة أو من أجل الاستشفاء. في مقابل واجب الأخيرة التعاون من أجل الحد من الهجرة غير الشرعية  عبر الانخراط الفعلي والمادي في المحاربة  أو عن طريق تأهيل تشريع بتوفير قواعد قانونية تجرم الهجرة غير القانونية وتعاقب عليها، وكذا التفاوض معها حول اطار تعاقدي يسمح للدول الاوروبية بترحيل المهاجرين من مواطني الدول المتعاقدة في ضعية غير قانونية اليها، واخيرا مطالبة تلك الدول بقبول ترحيل مواطني دول الغير إليها.

 

وقد وقع المغرب في شراك تلك السياسة منذ  مارس سنة 1992، حيث وقع أول اتفاقية تسمح لاسبانيا بترحيل مواطني المغرب الذين يعبرون اليها بطريقة غير قانونية ونظامية  وأعقباها باتفاقية أخرى سنة 2007، تسمح لاسبانيا بترحيل مهاجرين مغاربة من القاصرين غير المرافقين،  وللاشارة فان المغرب علق المغرب تنفيذها لما تعرض له من انتقاذ من طرف المنظمات غير الحكومة المهتمة بحقوق الانسان وحقوق الطفل والمهاجرين خاصة، ولتناقضها مع القانون الوطني المغربي والقانون الوطني الاسباني والاتفاقية الدولية الخاصة بالطفل، التي صادق عليها كل من المغرب واسبانيا وتم نشرها بالوسيلة المعتمدة للنشر في الدولتين واصبحت جزءا من تشريعهما الداخلي وواجبة التطبيق والاحترام والتنفيذ. و تنص اتفاقية الطفل على إيلاء الأولوية للمصلحة الفضلى والعليا للطفل والاستماع إليه أولا قبل الترحيل لمعرفة رغبته واختياره. هل يفضل العودة إلى المغرب أم يفضل البقاء والعيش في أسبانيا؟.

بيد أن عدم تحقيق الدول الأوروبية منفردة للنتائج المرجوة من تدبير الهجرة في إطار ثنائي مع دول الجنوب لعصيان مجموعة منها على الانخراط لاسباب مختلفة، جعل دول الاتحاد تلجأ إلى الحل الثاني في تعاملها الخارجي مع الدول المعنية بالهجرة معها مباشرة عبرالتحرك الجماعي في المفاوضات لفرض القبول.  وهكذا فان المغرب ملزم في إطار الاتحاد من أجل المتوسط أو في إطار الوضع المتقدم مع الاتحاد الأوروبي و في إطار الاتفاق الأخير من أجل الشراكة والهجرة وحركية الاشخاص ليوم السادس من يونيو 2013 مع تسع دول أوروبية بقبول استقبال الأجانب المرحلين من لدن الاتحاد الأوربي فوق أراضيه.وهذه الاتفاقية ولئن تضمنته في جانب تبسيط إجراءات منح التأشيرات من أجل السفر أو التعليم أو زيارة العائلة…الخ، فبنودها هي نفس مواد أتفاقيات التدبير التعاوني للهجرة لسنوات ١٩٩٢ و٢٠٠٧ و٢٠١٢ مع اسبانيا ولا تختلف عنها في شيء سوى في كون الأولى في إطار ثنائي، بينما الأخيرة في إطار أوروبا ككثلة تفاوضية من جهة والمغرب منفردا ووحيدا من جهة أخرى. ولا تخلو هذه الاتفاقية من التزام وواجب المغرب الصريح في الانخراط والمشاركة في الحد من الهجرة غير الشرعية وتتضمن قبوله بترحيل مهاجرين من غير مواطنيه اليه.

وهي السياسة التي اقرها البرلمان والمجلس الأوروبي في  الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء، الذي صادق عليها المجلس الأوروبي في ١٥ و١٦ اكتوبر ٢٠٠٨ وفي مذكرة البرلمان والمجلس الأوروبي   CE/2008/115ا وتاريخ ١٧ دجنبر ٢٠٠٨ المتعلقة بالقراعد والمسطرة المشتركة بين كافة الدول الأعضاء من أجل ترحيل وعود مواطني الدول الغير في وضعية غير قانونية، ويعرف هذا التوجيه الأوروبي بمذكرة العار أو مذكرة الطرد. وهي في جميع الأحوال اتفاقيات غير دستورية ومخالفة للقانون الدولي لحقوق الانسان وتتناقض حتى مع القوانين الداخلية لدول الاتحاد الأوروبي وللدول المتعاقدة معها.

ثالثا: سياسة الترحيل فوق المياه الدافئة بين الناتج المالي واللعنة السياسية والسخط الحقوقي:

بالرغم من كون المغرب واسبانيا يتوفران على اتفاق يرجع لسنة ٢٠١٢ يسمح لاسبانيا بترحيل المهاجرين من دول الغير الى المغرب. فان ذلك رهين بتحديد اسبانيا مسبقا ومن ذي قبل وقبل الترحيل لهوية المرحلين وتوجيهها الى المغرب ليتعرف عليهم بدوره قبل قرار قبوله، وهو الشرط الذي سيراهن عليه المغرب لتعطيل الاتفاقية من جهة، لما يتطلبه الاجراء من عمل ووقت و من مهلة بظل فيها المهاجرين في مراكز الاحتجاز، يفترضها قانون حقوق وحريات المهاجرين في اسبانيا في اربعون يوما تحت طائلة اطلاق سراحهم بقوة القانون. الشيء الذي سيجنب المغرب ما قد يكبده القبول بالترحيل الفوري خارج الضمانات والمساطر القانونية من أضرار لعلاقاته بالدول الافريقية، التي بات المغرب يوليها اهمية خاصة بدليل جولة الملك الأخيرة. و هو في غنى عنه لحاجته ضمان ود كافة الدول الأفريقية وضمان مواقفها السياسية لصالح قضية الصحراء.

كما أن الاتفاق المرتقب لن يمر دون ثمن باهض يطال أوروبا  والمغرب على المستوى الحقوقي لأنه يخرق حقوق  الانسان، المنصوص عليها في الاعلان العالمي لحقوق الانسان ١٩٤٨ والعهدين الدوليين  وحقوق المهاجرين الاتفاقية الدولية ١٩٩٣ واللاجئين اتفاقية ١٩٥١وبروتوكول١٩٥٦ والاتفاقية الدولية بحقوق الطفل ١٩٨٩ الملزم المغرب واسبانيا وفقا للقانون الدولي لحقوق الانسان و طبقا لدستوريهما، اسبانيا المادة ١٣من دستور١٩٧٨والقانون٢\٢٠٠٩ والقانون التنظيمي ٥٥٧\٢٠١١ واتفاقية دبلن ٢٠٠٤ الخاصة باللجوء والمغرب في ديباجة دستور الفاتح من يونيه ٢٠١١ و في قوانينهما الداخلية بحماية: حق التنقل وتوفير الحماية وعدم الطرد الجماعي وضرورة ان يتم الطرد وفقا للقانون وتحت اشراف قضائي وعدم شمول الأطفال القاصرين به.

فهل سيستدرك المغرب ذلك وينتفض في وجه البند احدى عشر من الاتفاقية المزمع تفعيلها، ليجسد بالفعل ما اقدم عليه من مبادرة فريدة في المنطقة بتسوية الوضعية الادارية لمجموعة من المهاجرين واللاجئين فوق اقليمه، أم سيرضخ للعائد المالي والسياسي ، ويسقط القناع عن حقيقة مبادرته ليكتشف العالم ان دافعها سياسي أكثر من حقوقي. ويبقى ملتزما بحراسة الأبواب الخلفية لشنغن و تشمل لأول مرة سبتة ومليلية بعد أن تفادى  ذلك أكثر من مرة ويسقط في زلة أكثر من الذنب.

 

الأستاذ صبري الحو محامي بمكناس

خبير في القانون الأوروبي للهجرة

رئيس المركز المغربي للحريات والحقوق

 

 

 

مقالات ذات صلة

Sign In

Reset Your Password