“أوروبا والإسلام، الحرية أو الخوف؟” الإشكالية الشائكة بين المواجهة والحوار على ضوء الهجرة الإسلامية في أوروبا

جزء من غلاف الكتاب

أعادت التفجيرات الإرهابية في باريس التي استهدفت أسبوعية شارلي إيبدو ومتجرا يهوديا وما جرى في بلجيكا من مواجهة مع المتطرفين خلال شهر يناير الى الواجهة النقاش الأبدي حول “اندماج المسلمين” في المجتمعات الأوروبية والذي يترجم بعنوان آخر العلاقة بين الإسلام وأوروبا. وهو ما يعالجه عدد خاص من مجلة/كتاب أكاديمي “أوروبا والإسلام، الحرية أو الخوف؟” الصادر سنة 2012 الذي يطرح فيه باحثون كذلك العلاقة المستقبلية بين الإسلام وأوروبا خلال القرن الواحد والعشرين.

وتعتبر فرنسا من الدول الغربية التي تعيش جدلا سياسيا وثقافيا واجتماعيا حول مدى درجة اندماج الإسلام في المجتمع الفرنسي. والحديث هنا عن الإسلام في حالة فرنسا، هو حديث عن المهاجرين المسلمين وأساسا من منطقة المغرب العربي. ومن العوامل التي تشجع هذا الجدل المستمر والمتعدد المظاهر والمتنامي خاصة خلال السنوات الأخيرة هو التطرف بشكليه، الأول وهو المتجلي في التطرف الديني الإسلاموي القادم من جنوب البحر المتوسط، والثاني هو التطرف  في تطبيق العلمانية بشكل مبالغ في بعض الدول مثل فرنسا مقارنة مع دول أخرى مثل بريطانيا.

وأصبح هذا الموضوع المفضل للبحث العلمي والتعاطي الإعلامي وكذلك المعالجة السطحية للقفز نحو الشهرة،  وتعج بعض القنوات التلفزيونية بأشباه الخبراء الذين يدلون  بآرائهم النارية في موضوع يحتاج لمفكرين على شاكلة رجال الإطفاء.  EuropeIslam

وعادة ما يرصد  الباحثون في علم الاجتماع والعلوم السياسية عراقيل الاندماج وما يمكن أن يترتب عنها ويحاولون تقديم حلول للسياسيين، وقد يأخذ برأيهم، وعادة لا يحصل بحكم تناقض أجندة الباحث المرتبطة بالبحث العلمي وأجندة السياسي المرتبطة بصناديق الاقتراع.

وفي هذا الإطار، صدر منذ سنتين ونصف خاص عدد من المجلة/الكتاب “ابن رشد” في فرنسا التي عالجت هذه الإشكالية الحساسة تحت عنوان “أوروبا والإسلام، الحرية أو الخوف؟”، تحت إشراف الباحث تييري فابر ومجموعة من الباحثين من فرنسا والعالم العربي، وهي ميزة تجعل هذا النوع من الكتب متضمنا لمقالات متنوعة تقدم رؤية متوازنة بحكم اختلاف آراء وديانات المساهمين.

وانطلق الباحثون من استطلاعات رأي أنجزت سنة 2010 و2011 تكشف ارتفاع رفض المجتمعات الأوروبية ومنها الفرنسية والألمانية للمسلمين الأوروبيين بمعدل فاق 40%. وكانت تلك الفترة قد شهدت اندلاع الربيع العربي وإعادة شارلي إيبدو نشر رسوم حول الرسول وحديث قوي عن الإسلام في الانتفاضات الديمقراطية وتراجع دور القاعدة.

 ويعتبر الكتاب/المجلة نسبة الرفض مقلقة للغاية، وتبرز غياب شعور ارتياح هذه المجتمعات الغربية تجاه المواطن المسلم الذي يعتبر أغلب أفراده مواطنين أوروبيين بحكم اكتساب الجنسية عبر الولادة أو قضاء فترة زمنية من الإقامة في بلد أوروبي. ونسبة الرافضين التي تتعاظم من سنة الى أخرى كافية لتفسير الأزمات القائمة حول رؤية الآخر المختلف دينيا وثقافيا ومساهمتها في تفجير مشاكل اجتماعية خطيرة قد تؤدي الى شرخ اجتماعي في هذه المجتمعات على شاكلة الماضي، وهذا ما وقع بعد العمليات الإرهابية التي استهدفت باريس ما بين يومي 7 و9 يناير 2015  وخلفت مقتل 17 شخصا منهم هيئة تحرير أسبوعية شارلي إيبدو.

ويبرز الكتاب الآليات المتحكمة في هذه النظرة السلبية “نظرة رفض الآخر”، ويتجلى في اختزال الرأي العام الأوروبي الإسلام في ثلاثة تعابير وتصورات هي:

– “رفض القيم الغربية” وتترجم عمليا عبر مظاهر رفض بعض المسلمين للقيم الغربية ومنها الديمقراطية،

-“التطرف” بمعنى تطرف تبني المواطن الأوروبي المسلم أو المهاجر المسلم أفكارا متطرفة في كل تصل الى المس بالحرية الشخصية لباقي المواطنين مثل محاولة فرض الحجاب في المدارس ورفض أعياد المسيحيين والتعبير عن ذلك علانية.

-“الاستسلام”: وهو تقديم الحكومات الغربية تنازلات كثيرة للمسلمين المتطرفين في مختلف المجالات، وإن اختلفت هذه السياسية من دولة الى أخرى.

وعلاقة بالنقطة الأخيرة وعلى هامش مضمون هذا الكتاب، فالإستسلام تحول الى أطروحة في الفكر السياسي الأوروبي المناهض لما يعرف أو يدعي بأسلمة المجتمعات الأوروبية، ومن أبرز الأعمال الصادرة مؤخرا  كتاب “الانتحار الفرنسي: لمؤلفه إيريك زمور (انظر عرض الكتاب في عدد القدس العربي  20 ديسمبر 2014).  وانتقلت الأطروحة إلى الابداع ومنها الرواية الأخيرة “الاستسلام” لمشيل هولبيك التي صدرت يوم 7 يناير الجاري وتحقق أكبر المبيعات في فرنسا، وتتحدث عن سلسلة من الاستسلام والخنوع جعلت رئيسيا مسلما يحكم فرنسا سنة 2022.

ويغوص الباحثون المشاركون في الكتاب في العلاقات الثنائية المعقدة بين الإسلام وأوروبا المسيحية خلال القرون الماضية، ويطبعها توتر مستمر من الحروب الصليبية الى الاستعمار والكولونيالية الأوروبية لإبراز ثقل التاريخ عبر مراحل متعددة جعل رؤية الآخر، القاطن في الضفة الجنوبية للمتوسط نحو القاطن في الضفة الشمالية والعكس صحيح تمر عبر منظار الحروب والمواجهات الدينية والثقافية، الأمر الذي ساعد على غياب الحوار وحضور الشك والربية والخوف.

وهذه الرؤية رافقت الهجرة العربية والإسلامية الى أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية من هجرة فردية الى التجمع العائلي وأخيرا الجيل الثاني والثالث من الأوروبيين المسلمين الذين يعانون من تساؤلات حول الهوية ويرغب جزء منهم في حقوق تبدو غير مطابقة للقيم الغربية، وهو ما يولد الاصطدام.

وتنكب مقالات الكتاب على توالي الأحداث التي ساهمت في انتشار الخوف من الإسلام في أوروبا خلال العقود الأربعة الأخيرة، وكان لها وقع كبير على جيلين وهي الأزمة البترولية سنة 1973 والثورة الإيرانية التي أتت بالإسلام السياسي سنة 1979 ثم سلسلة من التفجيرات الإرهابية  من 11 سبتمبر  في نيويورك ومدريد ولندن واستهداف حرية التعبير مع السينمائي الهولندي فان غوخ وهيئة تحرير أسبوعية شارلي إيبدو الفرنسية.

كل هذه العوامل ساهمت في تغذية “استراتيجية الخوف” و”استراتيجية غياب التفاهم” جعل العلاقة تطرح بشدة بين الإسلام وأوروبا على مستويات مثل حرية التعبير والخوف وكيف ستكون خلال القرن الواحد والعشرين. وهنا يبرز الباحث غابرييل مارتين غروس العلاقة الشائكة التي لن تتخلص من إرث الماضي وستؤثر كثيرا على الرؤية المستقبلية بين الطرفين  خاصة في ظل ما يعرف بالرؤية الأوروبية الممركزة للعالم منذ قرون لأنها كانت سباقة الى فرض رؤيتها في مختلف المعارف بسبب الكولونيالية.

وهي الرؤية التي يعززها الباحث جيرود بوماريد في بحث له بالتأكيد على حساسية البحر المتوسط عبر التاريخ لغلبة الرؤية الدينية أحيانا على الأحداث التاريخية والسياسية.  كما ترسمها الباحثة من أصول عربية ليلى دخلي في بحثها حول “خارطة طريق المشاكل في المتوسط خلال القرنين التاسع عشر والعشرين”ـ لتبرز أن نقاش اليوم حول العلاقة بين القيم الغربية والإسلام كان هاجسا عند مفكرين قبل بدء الهجرة العربية-الإسلامية الى الغرب، وتقدم أمثلة من النقاش بين جمال الدين الأفغاني وإرنيست رينان في “Le Journal de Débats” سنة 1883، وهو نقاش كان ذو عمق فلسفي وحضاري راق مقارنة مع النقاشات السياسوية الآن.

وتعالج الباحثة فريدة بلقاسم الإشكال على مستوى المقارنة بين مختلف الدول في التعاطي مع 15 مليون مسلم يعيشون في أوروبا، وتركز على الحالة الفرنسية التي هي علمانية ولا دين للدولة وحالة الدولة البريطانية التي لديها دين رسمي. كما تركز على الاختلاف في مصدر الهجرة، وهي مغاربية في حالة فرنسا وباكستانية ومن البنغلاديش في حالة بريطانيا. وتؤكد على ظهور “نخبة مسلمة” في كلا البلدين تطرح حقوقها بشكل مختلف عما تعودت عليه الحكومات الأوروبية.

وتركز الألمانية مارغريت سبوهن على معطى رئيسي لفهم ما يجري بين الإسلام وأوروبا وهو كيفية حضور الدين في دستور كل دولة أوروبية وعلاقتها بالهجرة عموما. لتؤكد خاصيات المانيا لأنها شهدت هجرات دينية من أوروبا ثم اقتصادية ومنها من بولونيا كثيرا قبل مجيئ الإسلام مع تركيا والعرب بعد الحرب العالمية الثانية. وتعترف بتمتع المسيحية واليهودية بامتيازات ضرائبية وبعضها يصل الى سن قانون عمل خاص في الهيئات الدينية، بينما الهيئات الإسلامية لم تحصل على هذا الامتياز حتى الآن، وهو سبب من أسباب التوتر.

يقدم الكتاب/المجلة أمثلة من دول أخرى مثل الدنمرك، لكن تغيب فيه دراسات من دول قريبة من العالم العربي-الإسلامي مثل اسبانيا وإيطاليا، وهو خطئ أ سهو أكاديمي تكرر في الكثير من الأبحاث من قبل مثل كتاب “الاستشراق” لأدوارد سعيد الذي لم يتطرق الى الرؤية الإسبانية والإيطالية التي كانت الأولى في نقل تصورات عن العالم العربي والإسلامي ومؤسسة للإستشراق قبل أوجهه في فرنسا وبريطانيا.

ويبقى “أوروبا والإسلام، الحرية أو الخوف؟”¨محاولة  أكاديمية قيمة للغاية لمحاولة رصد آليات التحكم التاريخي وحتى الوقت الراهن في العلاقة بين الإسلام وأوروبا المسيحية القائمة على التوجس والحيطة والحذر. لكن المؤسف أن باحثين مثل هؤلاء لا يجدون فضاء في وسائل الاعلام ومنها الغربية أساسا التي تستدعي في الغالب أشباه خبراء يساهمون في “صب الزيت على النار” لاسيما في أوقات عصيبة مثل أحداث شارلي إيبدو.

مقالات ذات صلة

Sign In

Reset Your Password