منظمة الأمم المتحدة المسكينة في حالة بوعشرين وخاشقجي/ أحمد ابن الصديق

صورة مركبة لكل من توفيق بوعشرين وجمال خاشقجي

على بعد بضعة أشهر  صدر تصرفان متشابهان من سلطتين سياسيتين لبلدين متشابهين من حيث بنية ونوعية النظام الحاكم وكلاهما عضو في منظمة الأمم المتحدة ولكن التصرفين الاثنين يعبران عن استهتار السلطتين  بهذه المنظمة و بآلياتها ولجانها الفرعية المختصة.

في المغرب وعلى خلفية محاكمة الصحافي توفيق بوعشرين المتهم بارتكاب جرائم خيالية بعد أن أقدمت السلطات الأمنية على إلقاء القبض عليه بطريقة خيالية أيضا، أنجز فريق العمل الأممي التابع لمجلس حقوق الإنسان  تقريرا يخلص فيه إلى أن اعتقال الصحافي بوعشرين تنطبق عليه مواصفات الاعتقال التعسفي  و طالب من الدولة المغربية إطلاق سراحه و منحه تعويضا عن هذا الضر ر الجسيم المتمثل في حرمانه من حريته ظلما و عدوانا بسبب تلاعب السلطة بالقانون الجنائي المغربي و بنصوص الدستور المغربي نفسه. لم يعبّر فريق العمل عن رأي أو حكم فيما يتعلق بموضوع المتابعة الجنائية ولم يزعم أبدا أن بوعشرين بريء من المنسوب إليه بل توقّف عند المساطر التي رافقت الاعتقال وأطوار المحاكمة منذ انطلاقها في شهر مارس 2018. لكن السلطات المغربية تعاملت مع هذا  الرأي الأممي وتوصياته بكثير من الاستخفاف  والاستهتار وأطلقت العنان لإعلامها المتخصص في القذف والسب والإهانة لكي يتهجم على بوعشرين و أسرته و رفاقه وكل الحركة الحقوقية التي تسانده في هذه المحنة و تستنكر محاكمته بصفتها نوعا من الانتقام السياسي الذي يلبس لباسا قانونيا وجنائيا من أجل إخراس صوته كصحافي مزعج لمنظومة الفساد التي تتحكم في مفاصل البلاد.

كما أن السلطة أطلقت العنان لبعض أصواتها المنتمية  ظلما وزورا  لمجال القانون لكي تتهم الفريق  الأممي بدون خجل وبدون أدنى حجة بتلقي الرشوة من بوعشرين من أجل إصدار  تقرير في صالحه.

أما التصرف الثاني فقد صدر عن سلطات المملكة العربية السعودية بعد أن صدر تقرير أممي من مكتب المقررة الأممية المكلفة بقضايا الإعدام خارج نطاق القضاء بعد أن باشرت تحرياتها في قضية اغتيال الصحافي السعودي المزعج جمال خاشقجي الذي قتلته سلطات بلاده في مبنى القنصلية السعودية في إسطنبول يوم 2 أكتوبر 2018  و استنتجت المقررة أنه يجب استجواب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ومسؤولين آخرين رفيعي المستوى في المملكة لتحديد أدوارهم في جريمة الاغتيال.

ولكن رد الفعل الرسمي السعودي جاء على لسان عادل الجبير، وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية عندما وصف التقرير بأنه متناقض و أضاف على حسابه على تويتر “تضمن تقرير المقررة في مجلس حقوق الإنسان تناقضات واضحة وادعاءات لا أساس لها تطعن في مصداقيته“.دون أن يشير الجبير  إلى تلك التناقضات أو يأتي بالدليل على وجودها.

 ما هو القاسم المشترك بين الصحافي السعودي  المقتول والصحافي المغربي المسجون؟ إنه كون الاثنين كانا يعبران عن آراء لا تروق لسلطات البلاد و كانا يدافعان عن قيم الديموقراطية و عن  ضرورة مكافحة الفساد و تكريس الحريات واحترام الحقوق ومنها الحق في التعبير عن الرأي حتى لو كان مخالفا لرأي السلطات والحق في التوفر على صحافة حرة مستقلة لا تنخرط في التطبيل والتصفيق صباح مساء لما يفعله الحاكمون بالبلاد والعباد .

ومن هنا فالقاسم المشترك الثاني هو أننا أمام نوعين من الاغتيال أولهما اغتيال مادي والثاني اغتيال معنوي واجتماعي لأن السلطات الاستبدادية في جميع أنحاء الدنيا ومنذ فجر التاريخ تستلهم تصرفها من التصرف الفرعوني الشهير الذي عبرت عنه الآية القرآنية الكريمة “قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ”.

هنا يطرح السؤال التالي :”ما هي  الجدوى من الاستمرار في العضوية في أكبر منظمة عالمية  إذا كانت توصياتها تُلقى في سلة المهملات بلا تردد  وأية مصداقية معنوية وأخلاقية تتوفر عليها هذه السلطات التي تزعم  الانتماء للعالم الحديث وتسيير دولة عصرية إذا كان صدرها يضيق بما توصي به آليات تلك المنظمة  وما هي الشرعية التي تتمتع بها تلك السلطات لتستفرد بالقرارات المصيرية التي ترهن حاضر ومستقبل شعوبها ؟

إن المنطق السليم يفرض الانسحاب من منظمة الأمم المتحدة والعيش  أو محاولة العيش خارج منطق التاريخ بل خارج منطق المنطق السليم .

Sign In

Reset Your Password