افتتاحية: ماذا سيحدث لو طرحنا قضية بوعشرين على قضاء دولي نزيه؟

صورة تبرز القضاء

أصدر قضاء الدولة المغربية حكما قاسيا في حق الصحفي توفيق بوعشرين مؤسس جريدة أخبار اليوم، وهو حكم يثير الكثير من التساؤلات بسبب الخروقات التي شابت جلسات المحاكمة، وهو ما يستوجب التفكير في تدويل هذا الملف لأن في دولة متخلفة في كل المجالات لا يمكن أن يشكل القضاء فلتة ويكون عادلا.

وجرى اعتقال توفيق بوعشرين خلال فبراير الماضي، وكانت التهمة غريبة وهي الاعتداءات الجنسية والاتجار في البشر. وعمليا، تهم ثقيلة من هذا النوع وفي حق شخصية عمومية تصنع الرأي العام، كان يتطلب من الدولة المغربية سواء الشرطة أو القضاء الاحترام الأقصى لشروط إجراءات التحقيق والمحاكمة العادلة، ولم يحدث هذا مع الأسف، مما يترك الباب أمام مختلف التأويلات خاصة عندما يتعلق الأمر بصحفي مزعج حقا.

نعم لم تحترم الشرطة إجراءات ضبط ما يفترض أنه أدوات الجريمة وهي مصدر الكاميرا والبصمات التي عليها.

نعم، لم يحترم القضاء إجراء بسيط وهو إحالة توفيق بوعشرين على قاضي التحقيق علاوة على أنه لم يحترم معيار متعارف عليه في الدول التي توفر المحاكمة العادلة وهو تعيين خبراء لمعرفة هوية الأشخاص الذين يظهرون في الأشرطة، وهذا التقاعس يطرح أكثر من علامة استفهام.

نعم، لم يحترم القضاء المحاكمة العادلة بعدما لم يفتح تحقيقا حول الكيفية التي جرى بها استدعاء عدد من المواطنات للزج بهن في هذا الملف بل وتعرض واحدة منهم وهي عفاف بيرناني الى السجن بعدما شككت ونددت بمحضر الشرطة، وكأن هذه المحاضر قرآن منزل لا يمكن التشكيك فيها.

غياب المحاكمة العادلة، لم تعتدي فقط على توفيق بوعشرين بل حتى على الضحايا المفترضات لأنها فوتت عليهن فرصة إثبات أمام الرأي العام الاتهامات خاصة بعدما نددت بعض المواطنات بإجبارهن على التصريح واتهام توفيق. كل هذا، يؤدي الى نوع من الاشمئزاز من المعالجة القضائية والأمنية التي شهدتها قضية بوعشرين، وهو ما دفع بمثقفين وسياسيين من طينة الأمين العام السابق للتقدم والاشتراكية إسماعيل العلوي أو بسياسي من طينة الاستقلالي امحمد خليفة أو مثقف كبير م عيار عبد الله الحمودي الى الانتفاضة والتضامن.

توفيق بوعشرين، صاحب تاريخ حافل بالتنديد بالفساد العميق في البلاد شأنه شأن صحفيين آخرين وآخرهم وحميد المهداوي الذي يقبع في السجن بتهم واهية بل سوريالية، صحفيون وجدوا أنفسهم فجأة إما منفيين أو معتقلين ليبقى المجال مفتوحا أمام الفاسدين لينهبوا خيرات الوطن. والمقرف من طرف الدولة هو عدم فتحها التحقيق في أي قضية من قضايا الفساد التي تحدث عنها هؤلاء الصحفيون.

لا نستغرب أنه كلما تم الإجهاز على الصحافة الحرة ينتعش الفساد الذي يطال كل شيء بما فيها سرقة الأرض ذات الرمزية القوية للمغاربة وكأن المغاربة يعيشون استعمارا داخليا مثلما حدث مع مافيا خدام الدولة، أو سرقة القرن وهي تهريب ذهب المغرب من طرف لصوص عديمي الضمير. نعم كلما جرى اعتقال الصحفيين بدوافع مريبة في المغرب تهاوى الوطن نحو الأسفل.

المغرب دولة تشهد تخلفا في الكثير من المجالات، ولا يمكن في دولة تسجل تراجعا كارثيا في قطاعات حوية أن يكون لها قضاء مستقل، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار دور بعض القضاة، وليس كلهم،  في سنوات الرصاص الذين باعوا أنفسهم للشيطان.

ولنتساءل جميعا: لماذا بدأ المغاربة يتصدرون طلبات اللجوء السياسي في أوروبا ويحصلون عليه؟ لماذا ترفض عدد من الدول الأوروبية تسليم مغاربة للمغرب رغم اتهاماتهم بتهريب المخدرات أو الإرهاب أو تصدر أحكام مختلف عن القضاء المغربي؟ الجواب بسيط بسبب تسييس القضاء في المغرب، ونستحضر جميعا حالة علي أنوزلا كيف تعرض للعذاب بينما رفعت الدولة المغربية ثلاث مرات دعاوي ضد الصحفي إغناسيو سيمبريرو في الملف نفسه وكان الحكم ضد المغرب ثلاث مرات.

تدعي الدولة المغربية انتماءها الى المنتظم الدولي والانخراط في هيئاته ومبادراته سواء السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية. وعليه، لماذا لا تذهب بعيدا وتقبل باستئناف المواطنين المغاربة قضاياهم أمام محاكم دولية، فهذا سيساعد القضاء المغربي نفسه على التطور. هذا المقترح ليس انتقاصا من السيادة المغربية لأن الدول الديمقراطية تقبل بمحاكم تتجاوز الوطن.

ونكرر، في دولة متخلفة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وعلميا، لا يمكن لقضائها أن يكون فلتة ويشكل استثناء. وكا يسمح “المسؤولون” لأنفسهم اللجوء الى قضاء فرنسا ضد بعض المغاربة، ويذهبون للعلاج في مستشفيات فرنسا، اسمحوا للشعب بالإنخراط في عولمة القضاء.

إن أسوأ ما يتعرض له شعب، هو عندما تقوم طبقة مسيطرة بتوظيف الأجهزة الأمنية والقضائية لصالحها في إسكات المنددين بالفساد والمطالبين بالإصلاح السياسي، وهو ما نعيشه الآن في المغرب، وهو ما يفسر لماذا يوجد هذا الاحتقان الكبير في البلاد من عناوينه الانتقادات الحادة للملك في اليوتوب وسيطرة هاجس مغادرة الوطن سواء بطرق قانونية أو بالمغامرة كما يحدث مع مآسي قوارب الموت.

في غضون ذلك وبدون تبرئة بوعشرين، نتساءل جميعا:  كيف كان سيتعامل القضاء الدولي مع قضية توفيق بوعشرين؟ تعرفون الجواب مسبقا.

 

Sign In

Reset Your Password